حياتنا أشبه بسوق كبير للأفكار والمعتقدات والقيم، وفي عصر العولمة برزت تحديات أكبر، تتطلب مهارة تكشف لنا عن المغالطات، والتمييز بين الحقائق القابلة للإثبات والادعاءات المتحيزة، وتقدير مدى مصداقية مصدر المعلومات، ومواجهة التطرف في الرأي، أو أحادية الرؤية، والقفز إلى النتائج دون النظر في صحة المقدمات. كما نحتاج إلى المهارة التي تخلصنا من الفكر التبريري الذي يعزو الأخطاء والمشكلات إلى غيرنا، وتقدم لنا الدعم في صد حملات التغرير ببعض شبابنا، لتغيير أفكارهم، وسوقهم إلى التطرف وتهديد أمن المجتمع. هذه المهارة هي مهارة التفكير الناقد «Critical Thinking Skills»، وهي مهارة حياتية يحتاجها كل فرد في المجتمع، وتعتبر سمة أساسية لتحقيق التقدم والنجاح في القرن الحادي والعشرين. وبعض الناس لا يرى في النقد إلا كشف العيوب والزلات وتتبع العورات، لكنه في مفهومه العلمي يستلزم ذكر الإيجابيات والسلبيات، وربط الأسباب والنتائج. من أوضح مفاهيم التفكير الناقد ما ذكره بيير، «Beyer» فهو يعني عنده الحكم على صحة أو خطأ شيء ما مثل جزء من المعلومات أو ادعاء مصدر معلومات، ويرى أن التفكير الناقد يحلل بشكل موضوعي أي ادعاء أو معتقد ليحكم على صحته أو خطئه، وهو يتضمن طرق التفكير التي تدعم هذا التحليل والتقييم. التفكير الناقد يتمثل في قدرة الفرد على تقدير حقيقة المعرفة ودقتها في التحليل الموضوعي، لأي ادعاء معرفي أو اعتقادي في ضوء الدليل الذي يدعمه للوصول إلى استنتاجات سديدة. وهو في الحقيقة ليس مهارة واحدة، وإنما تندرج تحته عدة مهارات ذكر منها «Beyer» عشر مهارات، وهي «التمييز بين الحقائق والادعاءات، وتحديد دقة الخبر وصدقه، وتحديد صدق المصادر، والقدرة على التنبؤ، وتمييز المعلومات ذات العلاقة من غيرها، وتعريف الفرضيات غير الواضحة، وفهم الأخبار والمناقشات الغامضة والمتداخلة، ومعرفة التناقضات المنطقية، وتحديد قوة المناقشة وأهميتها، والتمييز بين الادعاءات ذات القيمة، والادعاءات غير ذات القيمة المعتبرة وغير المعتبرة». ولكي نكتسب هذه المهارة لا بد من تعلمها والتدرب على ممارسة مهاراتها في مختلف المواقف، ومع أني تعلمت هذه المهارة مرات عدة، لكني سعدت بحضور دورة تدريبية أقامتها جامعة الدمام الأسبوع الماضي حول تعليم طلاب الجامعة مهارات التفكير الناقد من خلال دمج هذه المهارة في المقررات الدراسية في إطار سعي الجامعة لتطوير كفايات التدريس ومخرجات التعلم. وهناك معايير أوردها الباحثون تساعد على صحة التمييز بين الأشياء منها منعا للالتباس ومن أهمها: 1- الوضوح «Clarity»: هذا المعيار يعنى بإمكانية الصياغة المفهومة للأفكار والتعبير عنها، ومن حقنا أن نسأل من يقدم لنا فكرة أو معلومة غير واضحة: هل يمكنك تفصيل الموضوع بصورة أوسع؟ هل يمكن إعطاء أمثلة؟ 2- الصحة «Accuracy»: ويقصد بمعيار الصحة أن تكون الفكرة أو المعلومة: صحيحة أو موثوق في صحتها وعلينا أن نتساءل، هل هذا صحيح بالفعل؟ ما مصدر هذه المعلومة؟ كيف يمكن أن نرجع إلى المصدر؟. 3- الدقة «Precision»: يقصد بها، مدى استيفاء الموضوع حقه من المعالجة بأقل أخطاء ممكنة، وللوصول إلى مستوى أدق نسأل: هل يمكن أن تكون الفكرة محددة بدرجة أكبر؟ وهل يمكن تقديم تفصيلات أكثر؟ 4- العمق «Depth»: ويقصد بالعمق تجاوز المستوى السطحي للمعالجة الفكرية للمشكلة أو الموضوع بما يتناسب مع تعقيدات المشكلة وتشعبها، ومن الأسئلة في هذا المعيار: هل يمكن تقسيم الفكرة إلى وحدات أكثر؟ وما الذي يمكن أن نقرأه بين السطور؟ 5- المنطقية «Logic»: من خلال هذا المعيار يمكن استكشاف ما إذا كانت الأفكار تمضي في شكل منتظم ومتسلسل، بحيث تؤدي إلى نتيجة مترتبة على مقدمات مقبولة. ولكي نتأكد من ذلك علينا أن نسأل: هل يوجد تناقض بين الأفكار؟ وهل المبررات أو المقدمات تؤدي إلى هذه النتيجة بالضرورة؟ لقد عني الإسلام في مصدريه الكتاب والسنة بالتفكير الناقد حتى إنه ليصف القرآن بأنه «الفرقان» الذي يعني التمييز بين الحق والباطل والحقيقة والوهم. ويلحظ المتأمل للقرآن الكريم اشتماله على مئات الأسئلة التي تدعونا إلى التحقق من صحة الأفكار والمعتقدات، كما أنه أكد على وجوب التثبت من مصدر المعلومات فقال عز وجل: «يا أيُها الذِين آمنُوا إِن جاءكُم فاسِق بِنبأٍ فتبينُوا» سورة الحجرات: «6». ونبهنا إلى أن شيوع الفساد لا يمنحه الشرعية فقال سبحانه: «قُل لا يستوِي الخبِيثُ والطيِبُ ولو أعجبك كثرةُ الخبِيثِ فاتقُوا الله يا أُولِي الألبابِ لعلكُم تُفلِحُون» سورة المائدة: «100». فالخطأ لا يصبح حقا بسبب انتشاره، ولا يصبح الحق خطأ لأن أحدا لا يراه.