تنتشر مزارع المراوح التي يتم الاعتماد عليها لتوليد الطاقة الكهربائية من الرياح على الساحل الجنوبي للدانمرك في الطريق الى العاصمة كوبنهاغن، وكذلك في المانيا وبلدان أوروبا الأخرى. ولا يختلف الأمر بالنسبة الى التجهيزات الخاصة التي تعتمد على الطاقة الشمسية لتدفئة الابنية والمساكن ومواقف وسائط النقل العامة والإشارات الضوئية وغيرها. ويشكل هذا جزءاً من خطة تدعمها الحكومات الغربية لتشجيع انتاج واستهلاك طاقات بديلة تتكون من مصادر غير نفطية تعتبر أقل تلويثاً للبيئة. وينطوي هذا الدعم على تقديم اعانات واعفاءات ضريبية تصل الى أكثر من ثلث كلفة التجهيزات الخاصة لانتاج هذه الطاقات. والمانيا التي تعتبر أول مستهلك للطاقة في أوروبا من أكثر الدول سخاء على هذا الصعيد. وتقوم الحكومات المذكورة أيضاً بدعم البحوث والدراسات والتجارب التي تهدف الى تعميم استهلاك بدائل لمصادر النفط بمئات الملايين من الدولارات الاميركية سنوياً. ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب فهناك شركات عملاقة بدأت بتمويل مشاريع لانتاج مثل هذه البدائل مثل شركة "فورد". اذ أعلن أخيراً ان هذه الأخيرة استثمرت وبالتعاون مع شركة "دايملر بنز" الألمانية أكثر من 400 مليون دولار لانتاج خلايا وقود يتم استخدامها في مد المنازل والشارات الضوئية ووسائط النقل بالطاقة بأسعار معقولة. ويتوقع العديد من الخبراء ان يتضاعف استخدام طاقة الخلايا الى جانب طاقة الرياح والشمس اضعافاً مضاعفة خلال السنوات القليلة المقبلة. ويتزامن ذلك في الوقت الذي تتجه فيه مراكز القرار في الدول الصناعية الأكثر استهلاكاً للنفط نحو زيادة ضرائب الاستهلاك على المشتقات النفطية وفرض ضريبة الكربون. وعلى ما يبدو فإن نفوذ الشركات البترولية العالمية وشركات الطاقة الأخرى لن ينجح في ثنيها عن ذلك. كما ان رخص النفط ومشتقاته لم يؤثر على ما يبدو على سير تنفيذ خططها بهذا الخصوص. وفي الوقت الذي تقوم فيه البلدان الصناعية بتنفيذ خططها الرامية الى ايجاد بدائل لطاقات المشتقات النفطية يطرح السؤال التالي نفسه: ما الذي فعلناه في البلدان العربية لا سيما النفطية منها تجاه ذلك حتى الآن؟ يبدو ان احساس العرب بكونهم اغنياء نفط جعلهم بعيدين عن الاهتمام بمشاريع الطاقات البديلة حتى الآن. وتناسوا ان هذا الغنى نسبي بالمقارنة مع غنى بلدان أخرى بقطاعات غير نفطية. فكل ما يدره النفط لا يعادل نصف ما تدره الصناعة التحويلية على المانيا نحو 251 مقابل أكثر من 508 بلايين دولار. ومن المتوقع ان تتراجع العائدات النفطية العربية بسبب التراجع الذي سيشهده موقعها في سوق الطاقة الدولية لصالح بلدان اخرى ستعرض المزيد من النفط والغاز في هذه السوق. ومما يدل على ذلك تراجع حصة دول الخليج في السوق النفطية من 38 في المئة أوائل السبعينات الى 28 في المئة هذه الايام. ولو سلمنا بغنى البلدان العربية بالنفط فإن ذلك لا يجب ان يمنع اهتمامها بتطوير بدائل جديدة لمصادر طاقات بديلة لأن النفط في النهاية ثروة ناضبة. وهنا فإن الاعتماد على الطاقة الشمسية والرياح يطرح نفسه كأهم مصادر لهذه البدائل لأن المنطقة العربية من أغنى مناطق العالم بهما. وبدلاً من اهتمامنا بذلك فإن جهودنا، بغض النظر عن التنموية منها، تركزت حتى الآن في شكل أساسي على كيفية انقاذ اسعار النفط من التدهور. واذا كان لذلك مبرراته نظراً لأهمية العائدات النفطية على صعيد تمويل المشاريع الحيوية حتى الآن، فلا يوجود مبررات لعدم قيام الدول العربية بوضع برامج من شأنها دعم تطوير تقنيات واستهلاك الطاقات البديلة، ولا سيما في مدنها التي أصبحت من أكثر مدن العالم تلوثاً. وقد يأتي اليوم الذي تطور فيه الدول الصناعية تقنيات هذه البدائل وتتحكم بها. عندها لن تنفعنا كثيراً الآبار والاحتياطات النفطية التي يمكن ان تتحول الى خرائب على غرار الكثير من مناجم الفحم في أوروبا والولايات المتحدة. * اقتصادي سوري.