من المؤكد أن بريطانيا العظمى اعتادت، منذ زمن بعيد، على خيانة عملائها السريين. فحكايات كيم فيلبي ورفاقه لا تزال ماثلة في الأذهان بحيث ان أحداً من رعايا صاحبة الجلالة لا يمكنه أن يزعم ان ثمة من هو موثوق به مئة في المئة بين رهط العاملين ضمن أجهزة المخابرات البريطانية التي تعرف - على رغم ذلك كله - بأنها الأكثر فعالية وقوة في العالم. ولكن أن تعتاد بريطانيا على خيانة العملاء شيء، وأن يكون الخائن، أشهر أولئك العملاء قاطبة، شيء آخر تماماً. فالخائن هذه المرة له اسم يرن كالليرة الذهبية، ويفتح الأبواب أمام الأحلام ويجعل المواطن البريطاني ينام قرير العين طالما ان الرجل يحميه، ومن دون أن يصاب بخدش. كيف لا، وجيمس بوند يسهر منذ ثلاثين عاماً وأكثر على راحة العالم الحر وطمأنينته؟ كيف لا، وجيمس بوند تفوق ألف مرة على السوفيات والأميركيين والأشرار مجتمعين ومتفرقين، ثم وصل هادئاً مطمئناً إلى مكتب رئيسه ورمى قبعته على المشجب وابتسم وكأن شيئاً لم يكن؟ حسناً، قد نبدو هنا وكأننا نخلط الأمور بعضها ببعض: السينما في الواقع، وشخصية البطل السينمائي بشخصية واحد، فقط، من الذين مثلوا دوره. ولكن ماذا نفعل والصحافة الانكليزية لا تكف، منذ شهور، عن ابداء خيبة أملها ازاء شون كونري، الممثل الذي لا يزال يعتبر، وهو في السبعين من عمره، واحداً من أكثر الذكور فتنة في تاريخ السينما، إذ، في الوقت الذي كان يجدر فيه بالصحافة البريطانية ان تحيي شون كونري لمناسبة تكريمه الصاخب في مهرجان "كان" الأخير، ثم لمناسبة الدور الطريف الذي لعبه في فيلم "التفخيخ" حيث، على خطى انكليزيين شهيرين مثله، هما كاري غرانت وبيتر أوتول، مثل دور السارق الظريف، الذي توقعه الفاتنة كاترين زيتا - جونز في حبائلها، في هذا الوقت بالذات، أتت تلك الصحافة لتشن عليه حرباً لا هوادة فيها. والسبب؟ الخيانة. ولكن ليس لمصلحة المخابرات السوفياتية هذه المرة، بل لمصلحة الأمة الاسكوتلندية. فشون كونري لم يخف، منذ زمن، نزعته الاستقلالية، وتمويله حزباً يريد لاسكوتلندا ان تنفصل عن انكلترا، لتقيم دولتها الخاصة. والأمر ليس سينما في سينما هذه المرة. الأمر حقيقي و"خطير" حسب تعبير الصحافة البريطانية. فشون كونري، الذي يعتبر أكثر الاسكوتلنديين شعبية في العالم، إلى جانب "الويسكي" و"التنورة" بالطبع، خاض معركة انتخاب أول مجلس نيابي اسكوتلندي قبل أسابيع إلى جانب "الحزب الاسكوتلندي الوطني" صاحب الدعوة الاستقلالية. وهو خاض المعركة بقوة ووضوح، وكان افتتاحه لها قبل شهور حين أعلن عن مشروع لإحياء الصناعة السينمائية في اسكوتلندا رأسماله 600 مليون جنيه. ثم لم يتوقف عن تقديم الدعم للحزب الانفصالي. في البداية اعتبر الأمر "مزحة" و"نزوة" من قبل الممثل الشهير، ولكن تدريجاً بدأت لندن تشعر بخطر ما يفعله، وبمدى تأثيره على المواطنين في "بلده". وبدأت الحملة المضادة: فنشرت "الغارديان" قبل أسابيع، كلاماً قاسياً في حقه، يذكر بأنه، وهو الاسكوتلندي العريق، "يفضل أن يعيش في جزر الكاريبي منذ عشرات السنين بعيداً عن "وطنه"، ويذكّر بأنه ما بدأ اهتمامه بإنفاق جزء من ثروته وثروات الآخرين من الذين أقنعهم بالانضمام إليه إلا حين أصبح شيخاً عجوزاً. ثم استفزت الصحافة اسكوتلنديين آخرين، في عالم الفن، من أمثال ايان ماكغريغور، وبيل كونوللي ليشنوا على الرجل حرباً مضادة. بل من المحتمل أن تكون الكتابات النقدية التي تناولت فيلم "التفخيخ" قد تأثرت إلى حد كبير بالموقف من شون كونري. إذ في الوقت الذي لاحظت فيه الصحافة الفرنسية والأميركية، التجديد الكبير في أداء كونري، وطرافة الموضوع، آثرت الصحافة الانكليزية وصف الفيلم بأنه سيئ، وربما... سخيف. في النهاية، حين حلت جلسة افتتاح البرلمان الاسكوتلندي، وعُرف ان شون سيكون في رأس قائمة الحاضرين، إلى جانب ملكة بريطانيا وأعيان الأمة، أتت صحيفة "ديلي ريكورد" الاسكوتلندية لتضع على طول صفحتها الأولى عنواناً استفزازياً، كان هو الرد العملي على ما "اقترفته" الصحافة الانكليزية في حق الرجل. وكان العنوان "اليزابيث الثانية في مواجهة شون الأول". وتعليقاً على هذا العنوان اكتفى شون كونري بالابتسام وقال: "إنها حرية الصحافة وأنا احترمها"، وكان هذا قبل أن يذكر شون كونري بأنه ليس جديداً على "النضال من أجل حرية شعبي". ولكن... بعد هذا كله أين هي الحقيقة؟ هل صحيح ان شون كونري اكتشف "اسكوتلندا" متأخراً، أو "حين أفلس سينمائياً" حسبما قال معلق تلفزيوني، أم أنه فعلاً يسعى إلى الاستقلال منذ زمن بعيد؟ ليس من السهل الاجابة عن هذا السؤال، خصوصاً أن جيمس بوند الذي قام شون كونري بأداء شخصيته في عدد كبير من الأفلام ال19 التي حققت عن العميل الشهير حتى الآن كان دائم الاخلاص للامبراطورية. ولكن أليس علينا يا ترى أن نفرق بين الممثل والشخصية التي يلعبها؟ بالتأكيد. وفي هذا السياق نفسه لا بأس ان نتذكر ان شون كونري، الذي ولد العام 1930 تحت اسم توماس كونري، في مدينة ادنبره الاسكوتلندية، ظل منذ وصوله إلى المجد السينمائي، مصراً على أن أداء حواراته باللهجة الاسكوتلندية المميزة، غير متخلٍ عنها حتى حين مثل دور زعيم عربي في فيلم "الريح والأسد" 1975 من اخراج جون ميليوس، الذي اضطر لتبرير ذلك إلى القول: "غريب ان نجد في الفيلم عربياً يتحدث الانكليزية بلكنة اسكوتلندية، ولكن لنفترض، مثلاً، أنه تعلم الانكليزية على يد مدرس اسكوتلندي!". حين مثل شون كونري "الريح والأسد" كان في قمة مجده، وكان قد سئم أداء دور جيمس بوند "ربما لأنه في أعماقه قد سئم خدمة الامبراطورية البريطانية إلى ذلك الحد" حسبما علق ناقد انكليزي على ذلك. بدأ شون كونري حياته العملية يافعاً موزعاً لقناني الحليب، وصاقل التوابيت، قبل أن يتحول، بفضل قامته الممشوقة إلى "موديل" ثم إلى بطل في كمال الأجسام، في الوقت نفسه الذي راح فيه يمثل أدواراً مسرحية ثانوية في لندن التي سيقول إنه كرهها دائماً. وفي العام 1953 شارك في مباراة عالمية لكمال الأجسام، فاكتشفه مدير مسرح خلالها. وأسند إليه دوراً ثانوياً في عرض "جنوب المحيط الهادئ" الذي كان من أشهر العروض المسرحية في ذلك الحين. ومن هناك كانت خطوته في اتجاه السينما، حيث لعب في عدد من الأفلام التي لم يكن لأي منها أهمية، بما في ذلك فيلم عن مغامرات طرازان. أما أول دور لفت إليه أنظار أهل السينما فكان في فيلم "أطول يوم في التاريخ" 1962، ومنه كان انتقاله إلى سلسلة جيمس بوند حيث اختير للقيام بالشخصية في الفيلم الأول "دكتور نو". ولكن لأنه كان مجهولاً، ولأن مصير السلسلة نفسه كان غير مضمون، ولأنه أراد أن يقوم بالدور مهما كلف الأمر، فقد اكتفى يومذاك بأن ينال 5000 دولار لقاء عمله في الفيلم. ومن المحتمل أنه كان للمغامرة أن تنتهي عند ذلك الحد، إذ لم يؤكد شون في ذلك الفيلم أنه ممثل جيد، لولا المشهد الذي تخرج فيه اورسولا اندريس من الماء، ويبدو جيمس بوند في مواجهتها، ذكراً، مختلفاً عن كل ما عرفته هوليوود من ذكور منذ رحيل همفري بوغارت. وهكذا علق المشهد في ذهن المتفرجين، ونجت السلسلة، وصار شون كونري نجماً عالمياً. منذ ذلك الحين أخذ صاحبنا يراكم فيلماً بعد فيلم: "من روسيا مع الحب" 1963 و"غولد فنغر" 1964 و"تاندر بول" 1965 و"انت لا تعيش سوى مرتين" 1966، في عالم جيمس بوند. ولكن في ذلك الحين بدأ كونري يشعر بالملل من السلسلة، خصوصاً أن تمثيله في الوقت نفسه تحت إدارة هتشكوك "مارني" 1964 وادوارد دمتريك "شالاكو"، وفي أفلام أخرى أكثر جدية من سلسلة بوند، جعله يكتشف أنه "ممثل" وليس مجرد "نجم" و"دور". وهكذا، هجر السلسلة لفترة. ثم بعد سنوات قليلة عاد إليها في "الماسات الخالدة" 1972 ولكن للمرة الأخيرة. هذه المرة سئم حقاً، وقرر أن يعيش حياته السينمائية في استقلال عن تلك الشخصية، فهل نجح في ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال تبدو ملتبسة فعلى رغم ان شون كونري أثبت عملياً مكانته كواحد من كبار الممثلين في الربع الأخير من القرن العشرين، فإن الصحافة لم ترحمه من الباسه ثياب جيمس بوند. إذ حتى اليوم لا يزال اسما كونري وبوند، يقرنان معاً. بعد ذلك مضت فترة بدا فيها وكأن كونري غاب، عن الأفلام الكبيرة على الأقل، ثم كان هناك في العام 1986 "اسم الوردة" الذي حققه الفرنسي جان جاك بنيكس عن رواية اومبرتو ايكو الشهيرة. في ذلك الفيلم الاستثنائي مثل كونري دور راهب يحقق مثل شرلوك هولمز في جرائم تحصل في دير في العصور الوسطى. كان الدور يستحق الاوسكار، لكن الجائزة لم تأت إلا بعد ذلك بسنتين، عن دور ثانوي في فيلم "الذين لا يمسون" لبرايان دي بالما. ولكن ما لكونري وللأوسكار، كان قد صار خلال ذلك معلماً من معالم فن السينما، بعيداً عن بطل كمال الأجسام الذي يقبل 5000 دولار لقاء التمثيل في أول فيلم من سلسلة جيمس بوند. فالمعروف أنه، لقاء الفيلمين اللذين مثلهما بعد فيلم دي بالما، وهما "اكتوبر الأحمر" 1990 و"بيت روسيا" 1990 أيضاً نال 10 ملايين دولار عن كل فيلم، ما جعله أغلى ممثلي "بريطانيا" أجراً. لم يعلن بالطبع كم نال مقابل "التفخيخ"، ولكن من المحتمل ألا يكون المبلغ أقل من ذلك. وهذا ما يجعله الآن، بالثروة الكبيرة التي جمعها - والتي تندرت الصحافة الانكليزية بكونه لم يصرف كثيراً منها ملمحة إلى العادة الاسكوتلندية الشهيرة، البخل - قادراً على الانصراف إلى السياسة، وإلى سياسة الانفصال الاسكوتلندية تحديداً. فكيف ستكون خطوته التالية؟ هذا هو السؤال الذي يشغل البريطانيين اليوم. فهل سيكتفي شون كونري بتقديم الدعم أم أنه سينتقل إلى الحلبة السياسية مباشرة، وتحديداً على خطوات نجوم وممثلين سبقوه إلى العمل السياسي من رونالد ريغان إلى غليندا جاكسون إلى ميلينا مركوري، وغيرهم. تلك هي المسألة