على هامش تصاعد النشاط التجاري الرسمي بين العراق وسورية خلال الفترة الماضية، تشهد التجارة الفردية وغير الرسمية نشاطاً مماثلاً خصوصاً بعد سماح السلطات السورية لسيارات الاجرة تاكسي العراقية بدخول الاراضي السورية محملة بمختلف البضائع والمنتجات العراقية، خصوصاً الغذائىة منها. ويشكل سائقو سيارات الاجرة مع التجار العراقيين والتجار السوريين شبكة تجارية مكتملة، اذ يصل التاجر بعد حصوله على الأذن من الدولة العراقية الى دمشق ويستأجر مع مجموعة من التجار شقة متواضعة في منطقة السيدة زينب التي تعتبر مركز تجمعهم واقامتهم. ويقوم سائقو سيارات الاجرة بتزويدهم السلع في كل رحلة. ويُفضل السائقون على العكس من التجار النوم في سياراتهم، ويشرح احدهم الامر: "اعتدنا النوم داخل السيارة وتناول وجبة الساندويتش. نريد العودة الى اهلنا بكمية اكبر من النقود، كما ان البضاعة تبقى بجانبنا زيادة في الحرص". ويستطيع السائق القيام بسبع رحلات شهريا فقط لأنه يضطر للوقوف على الحدود مدة طويلة تصل احيانا الى اسبوع قبل السماح له بالعبور، ويحصل على رسوم الجمارك ونفقات الرحلة مقدما من التجار. غير ان معظم السائقين لا يعترفون بهذه الاتفاقية اذ يقول السائق مقدام "المواد التي انقلها قليلة لا يمكن اعتبارها تجارة ولكنها تفي بمصروف الرحلة". ويقول آخر: "جميع المنتجات عليها رسوم جمركية ونحن لا نستطيع ان نحمل معنا سوى القليل القليل والذي يعتبر على الحدود امتعة شخصية لا ترسَّم". ويحمل العراقيون معهم كل ما يمكن بيعه من المنتجات الغذائية والألبسة والبنزين الذي يباع بسعر ثلاث ليرات سورية لليتر بالنسبة للأول و10 للثاني، بما يعادل اقل من نصف قيمة المحروقات السورية. ويرتفع سعر ليتر البنزين العراقي في الراموسة منطقة صناعية في حلب الى 15 ليرة سورية ويباع عن طريق خزانات صغيرة. ويفسر السيد صالح ظاهرة بيع المحروقات بأن هناك طلباً كبيراً على المازوت والبنزين العراقي من قبل المواطنين والسائقين لرخص ثمنه "مما يضطرنا الى بيع ما يقارب 300 ليتر بنزين من خزان السيارة والفائض عن حاجتنا". ويصل متوسط الربح اليومي للتاجر العراقي الى 1500 ليرة سورية وهذا يعني بمعادلة بسيطة توفير ما يعادل ثلاثة اضعاف راتب موظف عراقي. اذ ان كل ألف دينار في السوق السوداء تساوي 35 ليرة سورية. ويقدر عدد سيارات الاجرة العراقية التي تدخل دمشق يومياً بنحو 40 سيارة تاكسي ومثلها الى حلب شمال البلاد. وتنتشر السيارات العراقية قرب محطة انطلاق السيارات كاراج في منطقة السيدة زينب والتي تسير رحلات منتظمة الى العراق بأسعار رخيصة. ويقول محمد علي من محافظة الانبار العراقية التي تحاذي الحدود السورية وهو يقف امام سيارته: "يأتي الكثير من السوريين لشراء ما نحمله من منتجات خصوصاً يوم الجمعة. ويلتف حول هذه السيارات بضعة اشخاص يفحصون البضائع الموزعة على كامل مساحة السطح العلوي للسيارة". ولا يبدي السيد علي اهتماماً في مراقبة البضاعة لأنه "عايش الأمانة والوفاء من الشعب السوري، اذ يساعدنا المتسوقون في عملية البيع، ما يزيل الاحساس بالغربة ويشعرنا بأننا في بلدنا". ويضيف: "نناشد السلطات السورية المعنية السماح لنا بمزاولة اعمالنا لأن في ذلك إعالة لاطفالنا ووصلاً لارزاقهم، بعدما منعت هيئة الجمارك السورية على المنافذ الحدودية دخول بعض المواد الغذائية وهناك شائعة تفيد بأننا سنمنع من الدخول نهائياً". وأدى انتشار الاشاعة التي تقضي بمنع دخول المواد الغذائية العراقية الى غلاء بعضها، لذلك راح بعض التجار يخزن هذه المواد ما أدى الى ارتفاع اسعارها. وتقول مصادر سورية ان منع دخول المواد الغذائية العراقية له مبرراته، منها ان مدة الصلاحية منتهية وخصوصاً للمعلبات، كما ان اسعارها الرخيصة تجعلها منافسة لمثيلاتها السورية، اضافة الى ان بعض المواد مغشوشة مثل العسل المصنوع من قطر السكر ما يفسر ثمنه الرخيص جداً الذي يبلغ 50 ليرة سورية دولار اميركي واحد. وينفي مالك صالح، وهو سائق من بغداد، ان تكون المواد التي يسوقها فاسدة او مغشوشة. والسؤال الذي يتبادر الى ذهن السوريين كيف يسمح العراق بخروج بعض المواد الغذائية في حين يعاني شعبه من قلة المواد الغذائية؟ يجيب أحد السائقين: "المواد التي يحتاجها الشعب العراقي هي المواد الغذائىة الأساسية من قمح وحليب أطفال إضافة الى الأدوية، وليس المنتجات الحيوانية التي يشتهر بها العراق". وكان هدف الحكومة السورية من السماح بمرور البضائع هو رفع جزء من المعاناة عن الشعب العراقي بعد عامين من فتح الحدود السورية - العراقية، وان على نطاق ضيق ومحدود بما يسمح به قرار الاممالمتحدة "الغذاء مقابل النفط"، ولكن هذه المرة في اتجاه معاكس، يعكس طبيعة الظروف المعيشية الصعبة التي آلت اليها حياة معظم الناس في العراق. وقد باتت مدن الشمال السوري الوجهة المفضلة لتسويق البضائع العراقية. وكانت حلب وأدلب وحماه وحمص شهدت قدوم السيارات العراقية منذ بداية فصل الشتاء بعد دمشق، ويقول احد السائقين عن سبب اختياره حلب لتسويق تجارته: "حلب مدينة كبيرة، فيها طلب كبير والمواد العراقية مرغوبة، ولدينا سوق كبيرة في المحافظاتالشرقية اي دير الزور والحسكة والرقة. وعلى رغم انها سوق قريبة من العراق وخصوصاً مدينة البوكمال الحدودية فان اسعار البضائع متدنية لوجود عرض كبير ومنافسة شديدة من التجار السوريين"، في اشارة الى متاجرة السوريين بالمواد العراقية الرخيصة الثمن التي يجلبونها من مدينة القائم العراقية والتي تبعد 60 كلم عن الحدود السورية. وعلى الرغم من الصعوبات التي يواجهها السائقون الذين غيّروا خط عملهم من عمان الى دمشق بعد فتح الحدود السورية - العراقية عند نقطة التنف على مسافة 300 كيلومتر شمال شرقي دمشق منذ اكثر من عام ونصف عام، فان "هذه الصعوبات تصبح ذكرى بعيدة عندما ندخل شوارع دمشق". ويقول السائق مقدام: "بعد ان تزور دمشق مرة واحدة لن تطيق العمل على خط عمان مرة اخرى فهناك يعاملنا الاردنيون بفوقية، اما في دمشق فالامر مختلف. السوريون يشعرونك بالراحة والمحبة". ويضيف صديقه: "هذه اول زيارة لي الى دمشق وسمعت الكثير عن استقبال السوريين لنا لكني لم اكن اتوقع كل هذه الحرارة والحكومة تساعدنا وسياراتنا تدخل كل الشوارع وحتى لو خالفنا فنحن مسامحون". ويشكر مقدام "مديريات البلدية في المحافظات التي يتوجهون اليها لسماحها لهم بالتوقف في اي مكان لعرض البضاعة في حين لا تسمح للسوريين بذلك". اللافت ان بعض ابناء المحافظات السورية خصوصاً في حمص ومدن الجزيرة السورية قاموا بشراء البضائع من السائقين العراقيين واستئجار سياراتهم لعرض المواد عليها لاسيما الغذائية، اضافة الى منتجات غير عراقية عليها مثل الالبسة الجلدية والزجاجيات وغيرها. واتقن كثير منهم اللهجة العراقية تفنناً في الخداع وتيسيراً لتصريف البضائع حيث يقول عزيز مصطفى الحمصي ان "وجود السيارة العراقية معنا يعطينا العديد من التسهيلات والامتيازات، مثلا: لا نتعرض لمضايقات البلدية اذا قمنا بتمثيل دور السائق العراقي في شكل جيد، كما يزيد اقبال الحلبيين على شراء المنتجات مع ان بعضاً منها مصنع في سورية". ولا يعتقد السيد مصطفى ان في ذلك خداعاً "للأخوة العراقيين لأننا نتفق معهم على دفع الأجر المناسب مقابل تسهيل اعمالنا وفي ذلك منفعة متبادلة للطرفين". ويصنف المواد المعروضة على السيارة الى مصدر لبناني وتركي وصيني سترات جلدية، زجاجيات وايراني وباكستاني احذية، بخور، بسطو، فستق عجمي. علماً ان المصنوعات الزجاجية مثل الفناجين تشرى من سوق "سويقة" في حلب وتباع على انها مستوردة من العراق. ويعلق عزيز مصطفى على ذلك بقوله:"لو عرضنا البضاعة على انها موجودة في حلب او حمص لما اشتراها احد".