الخوف كان الشعور الأول الذي تملّك غالبية من الفرنسيين ما أن بدأت التلفزيونات تبث الصور المريعة لما خلفته كارثة انفجار مفاعلات فوكوشيما النووية في اليابان. ولهذا الخوف ما يبرره في بلد مثل فرنسا هو الثاني بعد الولاياتالمتحدة من حيث عدد المنشآت النووية المنتشرة في أرجائه. فالطاقة النووية هي المصدر الرئيس للكهرباء المستهلكة في فرنسا بنسبة 78 في المئة، وهي تؤوي 58 مفاعلاً نووياً و1100 موقع لتخزين النفايات النووية، إضافة إلى أكبر مصنع في العالم لتكرير هذا النوع من النفايات، في لاهاغ (شمال فرنسا) الذي تتوافد إليه نفايات 27 دولة نووية في العالم. وسرعان ما تولّد عن الخوف شعار عام مفاده انه بات هناك ما قبل وما بعد فوكوشيما، وتردد في آن معاً في الأوساط الرسمية الفرنسية، وأيضاً في أوساط المعارضة اليسارية وخصوصاً على لسان مسؤولي أنصار البيئة. لكن وحدة الشعار لم تكن تعني بأي حال من الأحوال توافقاً على الأهداف والمضامين التطبيقية المترتبة عليه، بل العكس، فإن هذا الشعار تحول إلى موضوع جدل لا يزال مستمراً في الداخل الفرنسي. فالقراءات والمواقف جاءت بالغة الاختلاف حول كيفية التصرف بعد ما حل بفوكوشيما، والسبل الممكنة للحؤول دون ذلك في فرنسا. «التخلي عن الطاقة النووية»، قال أنصار البيئة الذين اعتبروا أن ما حل بمنطقة فوكوشيما، يشكل تجسيداً لدوافع معاداتهم للطاقة النووية، المسوقة اعتيادياً باعتبارها طاقة نظيفة، بل رداً بيئياً على الاحتباس الحراري، واقترحوا تنظيم استفتاء شعبي حول الموضوع. تصدر هذا المطلب الصفحات الأولى للمطبوعات الفرنسية، وعقدت في شأنه ولا تزال، العديد من الندوات التلفزيونية وجلسات النقاش التي استضافت مؤيدين له ومعارضين. هذا الطرح تسبب بإحراج واضح في أوساط الحزب الاشتراكي (المعارضة اليسارية)، خصوصاً أن البلاد دخلت مرحلة انتخابات رئاسية مبكرة، فسعت الأمينة العامة للحزب إلى الالتفاف عليه بالقول انه من «غير الوارد تحديد موقف تحت وطأة التأثر».فعلى امتداد العقود الماضية، لم يبد الاشتراكيون أي معارضة ملحوظة لسياسة الاعتماد على الطاقة النووية، استناداً إلى ثقتهم بقدرة الصناعة النووية الفرنسية على تدارك المخاطر والسيطرة عليها. لكن هول كارثة فوكوشيما وعجز اليابان، - رغم حالة التطور التقني الشائعة عن هذا البلد-، عن تطويق آثارها، زرع الشك في نفوس الفرنسيين، وزعزعة ثقة الاشتراكيين الذين غالباً ما تجاهلوا في السابق عداء حلفائهم أنصار البيئة للطاقة النووية. رد فعل الرأي العام ومقتضيات الحملة الانتخابية حالت دون إغفالهم التحذير الذي طرأ على موقف أنصار البيئة الذين دعوا إلى تجميد بناء مفاعلات نووية جديدة وإغلاق المفاعلات القديمة ووضع برنامج لتطوير طاقة متجددة تكون بديلاً من الطاقة النووية. فبدأ الموقف الاشتراكي يتحول تدريجاً، إلى موقف مؤيد للتخلي عن الطاقة النووية وإنما بطريقة مبرمجة ومدروسة وتدريجية خلال مدة تتراوح بين 20 و30 سنة. ثم جاء البرنامج الانتخابي الذي أعلنه الحزب الاشتراكي في مطلع نيسان الحالي ليشير إلى العمل على الاستغناء عن الطاقة النووية من خلال نهج مكثف لاقتصاد الطاقة والاستعانة بطاقة متجددة بديلة، لكنه خلا من أي ما يدعو إلى تفكيك المنشآت النووية أو تجميد بناء منشآت جديدة وفقاً لما يطلبه أنصار البيئة. مثل هذا الموقف يشكل بالطبع تحولاً على صعيد الموقف الاشتراكي التقليدي حيال الموضوع النووي، لكنه لا ينطوي بالضرورة على إعادة نظر معمقة وجذرية بدور هذه الطاقة، مما يعني أن السجال بهذا الشأن سيبقى مستمراً بين الحزب الاشتراكي وأنصار البيئة. أما على الصعيد الرسمي، حيث أكدت وزيرة البيئة الفرنسية ناتالي كوسوكو موريزيه وغيرها من الوزراء في الحكومة أن هناك ما هو قبل وما بعد فوكوشيما، فإن ترجمة هذا الموقف جاءت بعيدة كل البعد عما اقترحه أنصار البيئة. أقرت الحكومة الفرنسية على لسان رئيسها فرانسوا فيون بأن الوضع في اليابان يستدعي «مناقشة لسياستنا النووية» إنما في إطار «من المسؤولية والانضباط»، خصوصاً أن «منشآتنا النووية من الأكثر سلامة ومراقبة». وأعلن عن خطة لإخضاع كل المنشآت النووية الفرنسية لعمليات تدقيق للوقوف على أوضاعها وإمكانية أن تشكل إحداها أي خطر على السلامة العامة في منطقة تواجدها. وأشارت وكالة أمن المنشآت النووية الفرنسية إلى أن عمليات التوثيق ستأخذ في الاعتبار شتى السيناريوات الممكنة وشتى العوامل الطبيعية التي تتسبب اعتيادياً بكوارث للتحقق من أحوال المنشآت النووية في فرنسا. وتوالت في الوقت ذاته، تأكيدات على مستويات مختلفة حول درجة الأمن القصوى المعتمدة على صعيد المفاعلات النووية الفرنسية وإجراءات الرقابة الأكثر تطوراً الخاضعة لها، والتي تسببت نظراً لارتفاع كلفتها بخسارة فرنسا لعقود نووية عدة في الخارج. ويتضح من ذلك أن السلطات الفرنسية ليست في وارد الاستغناء عن الطاقة النووية، ولا تعتزم إطلاقاً الإذعان إلى مطالب أنصار البيئة باستبدالها بطاقة متجددة ولا لمطلب الاشتراكيين القائل بالاستغناء عنها تدريجاً وعلى مدى عقدين أو ثلاثة. وأكد وزير الطاقة أريك بيسون في هذا الإطار أن فرنسا تحرص على استقلالية مصادر الطاقة التي تستخدمها، خصوصاً وأنها أقل كلفة من سواها، دون أن ينكر إمكانية إشراك المواطنين الفرنسيين «في اختياراتنا لمصادر الطاقة»، كون هذه المشاركة «عنصراً أساسياً في ديموقراطيتنا». وما كان بيسون ليتطرق إلى هذه المشاركة لولا استطلاعات الرأي التي أعقبت كارثة فوكوشيما، ولم تظهر وجود رفض شعبي واضح للطاقة النووية. فقد أشار استطلاع أجراه معهد «تي ان اس سوفريس» إلى أن 55 في المئة من الفرنسيين يعارضون التخلي عن الطاقة النووية، على رغم الخوف الذي واجهوه عقب فوكوشيما. وهناك بين هؤلاء المعارضين من يتمنى مثل هذا التخلي لكنهم لا يعتبرونه ممكناً، في حين أن من بينهم من يتمناه، وإنما يتخوف من الكلفة الباهظة التي ستترتب عن ذلك. هذه الأرقام، أبعد من أن تشكل عنصراً ضاغطاً على الحكومة الفرنسية لحملها على أي إعادة نظر في الاستراتيجية النووية المعتمدة في البلاد منذ السبعينات رداً على الصدمة النفطية. لكن كارثة فوكوشيما، على غرار ما حصل عقب كارثة تشيرنوبيل (عام 1986) ستدفع الدول التي كانت تدرس إمكانية اعتمادها للطاقة النووية على التردد في اتخاذها مثل هذا القرار. وهذا ما يمثل انتكاسة لفرنسا التي جعلت من تصدير الخبرة والمعدات الخاصة بالطاقة النووية إلى دول العالم حجر زاوية في إطار سياستها الصناعية، بعد أن تمكنت شركات «أريفا» و «الستوم» و «كهرباء فرنسا» من توقيع عدد من العقود لتصميم وتشغيل مفاعلات لإنتاج الطاقة النووية مع بعض الدول.