يشهد قطاع التعليم في بلادنا العزيزة محاولات متتابعة للتطوير والتغيير ، ولكن المتابع للعملية التعليمية والمعايش لها يشعر أن آثار هذه المحاولات محدودة جداً مقارنة بالجهود المبذولة ، ولابد أن لذلك أسبابه المتعددة ، وبحكم خبرتي الطويلة في هذا المجال أردت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع وأنا على يقين أن الكثيرين يشاركونني هذا الرأي، وذلك يرجع إلى بعض التعاميم التي تحتاج إلى إعادة نظر وأخص بالذكر التعميم الذي يلزم المعلم والمعلمة بأربع وعشرين حصة، وكم كنت أتمنى أن يحضرني تاريخ صدور هذا التعميم لأول مرة، فأنا على يقين أنه صدر في وقت كانت العملية التعليمية تقتصر على معلم متمكن مخلص، وطالب مجتهد، وولي أمر حريص، ومقررات محدودة، أما الوسائل فكانت السبورة والحكك (الطباشير) والكتاب والقلم، في فصل ربما لا يتجاوز عدد الطلاب فيه أصابع اليد الواحدة أو الاثنتين، أكاد أجزم أن هذه مكونات المنهج الدراسي في ذلك الوقت، فلا غرو أن يستطيع المعلم أن يتحمل هذا النصاب بل وأكثر إذا اضطر الأمر وربما أحس بشيء من الفراغ، أما الآن ومع هذا الانفتاح اللامحدود وثورة المعلومات والوسائل والتقنية وتعدد المناهج وكثافة عدد الطلاب والطالبات وتغير ظروف الحياة فإن هذا التعميم بحاجة إلى إعادة نظرإذ يؤكد ما نوصف به دائما من اهتمامنا بالكم دون الكيف ،إضافة إلى أنه لا يحقق العدل لأسباب كثيرة سأورد بعضها وسأربطها بالمعلمة لما نعانيه في مدارس البنات من تشدد من الإدارة أو مكاتب الإشراف قد لا يعاني منه المعلمون مما يزيد العبء، ويثقل الكاهل. ومن هذه الأسباب: 1- تفاوت التخصصات من حيث السهولة والصعوبة. 2- تفاوت عدد المقررات لكل تخصص فمثلا ً معلمة اللغة العربية في المرحلة الثانوية تدرس خمس مواد في حال تدريسها لصف واحد فكيف إذا كانت تدرس صفين أو أكثر؟! 3- تفاوت عدد الحصص لكل مادة فمثلا ًمعلمة العلوم الشرعية والمكتبة في المرحلة الثانوية تخصص حصة واحدة لكل مادة أي إن 24 حصة تعني 24 فصلاً وما يترتب على ذلك من تحضير وتصحيح وتقييم. 4- تفاوت عدد الفصول في المدارس وكذلك الطالبات، فهل تساوى معلمة تحمل 24حصة في مدرسة عدد طالباتها لا يتجاوز 200 طالبة بمعلمة في مدرسة أخرى يصل عدد طالباتها إلى 1000 طالبة؟!!. 5- اختلاف مكاتب الإشراف في تطبيق هذا التعميم فبعض مشرفات المكاتب لديهن من الوعي والمرونة ما يجعلهاتحاول التخفيف على المعلمات ولا تلزمهن بذلك، بينما مكاتب أخرى تلزم المعلمات بذلك وبكل تعسف وهذا ما لمسناه من مكتب إشراف الشفا، وكم يؤسفنا ما تردده بعض المشرفات من عبارات في مثل هذه المواقف ( أنتِ تستلمين راتب – هذه أمانة – حولي إلى عمل إداري – تقاعدي) وكأنها بذلك تقدم حلولاً للمشكلة في حين أنها تساعد على تفاقم المشكلة واستمرار الوضع خاصة مع الأجيال الجديدة التي ربما تكون أقل مستوى وإعدادا بل وتحملا للمسئولية !! وبناء على ما تقدم فإن استمرار العمل بهذا التعميم قد يتسبب في إلحاق الضرر بالمصلحة العامة للمعلمة والطالبة بل والعملية التعليمية من حيث: 1- عدم التركيز على المادة العلمية مهما بلغت المعلمة من الكفاءة. 2- هضم حق الطالبة في التقييم السليم نظراً لكثرة الطالبات وتعدد الفصول. 3- عزوف المعلمات عن حضور الدورات أو الاجتماعات التي ترتقي بمستوى الأداء لأن ذلك يتطلب التغيب عن المدرسة على الأقل ثلاثة أيام مما يؤدي إلى تعطيل المناهج إذا كان لديها على الأقل 4 حصص في اليوم. 4- عدم إقبال المعلمات على المساهمة في الأنشطة اللاصفية لأنها تجد في حصص النشاط متنفساً للراحة. 5- عجز المعلمة عن تفعيل وسائل التقنية أو ابتكار وسائل تعليمية مناسبة لعدم توفر الوقت. 6- كثرة الغياب ليس هروباً من المسئولية ولكنها ربما تكون في ظروف تضطرها إلى الخروج قبل نهاية الدوام أو في حالة صحية لا تسمح لها بالشرح لأربع أو خمس حصص. 7- زيادة أعباء الإدارة في تسديد حصص الاحتياط مما يضطرها إلى أن تجعل معلمة واحدة تقوم بالاحتياط في فصلين أو أكثر في حصة واحدة وهذا نتج عنه الكثير من المشكلات والسلوكيات الخاطئة. 8- صعوبة سد الاحتياج في حال تسرب إحدى المعلمات مما يؤدي إلى تعطيل المناهج لتوفير البديل. فما رأيكم- يا أمير التربية والتعليم- إذا كانت مدارسنا بهذه الأوضاع؟!! كيف يمكن أن تؤدى رسالة التعليم بكل أمانة ، ثم نتساءل بعد ذلك ما سبب ضعف الطالبات ؟ وما سبب إهمالهن ؟ ولماذا يكثر غياب المعلمات؟ !ولماذا كثرت الإجازات؟! كل هذه الأسئلة يمكن أن نضع لها حلاً بإذن الله إذا أعدنا النظر في بعض التعاميم التي قد تقف حائلاً بين المعلم ودوره الحقيقي. ختاما: يشهد الله أنها كلمة حق أردت أن أعلنها- وأنا قاب قوسين أوأدنى من الخروج من هذا المجال - لما أشعر به من أن هذا التعليم أمانة سوف نحاسب عليها ولما لمسته من تهاون الكثير في أداء هذه الأمانة بحجة التكليف بما لاتسعه الطاقة، وإن كان هذا ليس مبرراً للتقصير ولكنها طبيعة الإنسان وقدراته المحدودة التي تحاول أن تعذر نفسها إن لم تجد من يعذرها .. والضحية أجيال تتعلم وتتخرج بمستوى أقل من تلك الجهود العظيمة والأموال الطائلة التي تبذلها حكومتنا الرشيدة في سبيل التعليم.. * ثانوية 24 بالرياض