أڤايا تعزّز تجربة العملاء بحلول «مدير العمليات الافتراضي» المُستندة إلى الذكاء الاصطناعي    مصر.. مفاجأة جديدة في حادثة حافلة طلاب «الجلالة»    36 ألف جولات رقابية على جوامع ومساجد منطقة المدينة المنورة    مهرجان مزاد الإبل بنجران.. مزاين بلا تتويج    البورصة الأمريكية تغلق على ارتفاع    نائب أمير مكة يدشّن مشروع زراعة أشجار العود والصندل    بائعات العطور    مطالبة سعودية - مصرية بوقف إطلاق النار ورفع الحصار عن غزة    المملكة تستضيف القمة الخليجية - الأوروبية 2026    المملكة ومصر.. لا لسياسات حافة الهاوية    قمة «شنغن» !    مختص: لا تثيروا القلق ولا تبالغوا.. الذكاء الاصطناعي مفيد    العثور على المغني ليام باين ميتا في بوينس أيرس    السعودية إنسانية تتجلى    انضمام 11 دولة جديدة لمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»    منافسات كرة السلة السعودية حصرياً على قنوات SSC    رونالدو وحمد الله في تحدي هز الشباك ب«الديربي»    88 ألف لاعب ولاعبة في بطولات رابطة الهواة    أمير المدينة يناقش مع البنيان الموضوعات المرتبطة بقطاع التعليم بالمنطقة    حملة ميدانية تضبط 3,371 دراجة آلية مخالفة    الأنظمة التشريعية القوية في بلادنا    الاحتفاء بالتاريخ ورجالاته    14 ميدالية.. حصدها الأبطال في الأولمبياد الخليجي للعلوم    تمكين المرأة من التنميط إلى استعادة الكرامة    انحناء الظل    المملكة تُنظّم معرضاً دولياً للحرف التقليدية في 23 نوفمبر المقبل    151 مليار ريال للاستثمار في الذكاء الاصطناعي    نباح من على منابر الشيطان    100 ألف ريال غرامة إنشاء مصنع للمستحضرات بلا ترخيص    الجلاجل يرأس وفد المملكة في اجتماعات منظمة الصحة العالمية    5 عناصر لتقليل الإصابة ب«ضعف الإدراك»    مفوض الدوري الأميركي يتفهم دعوات المطالبة بإلغاء كأس العالم للأندية    وزارة الإعلام تطلق مبادرة "انسجام عالمي" لتعزيز التواصل مع المقيمين في المملكة    ألعاب السعودية الثالثة .. نادي الرياض لذوي الإعاقة يحقق ذهبية كرة الهدف    المفتي العام يستعراض أعمال "صون الإسكانيّة"    ولي العهد يرأس وفد المملكة في القمة الخليجية - الأوروبية    الشورى يوصي بتجويد أعمال صندوق التعليم الجامعي    أمير القصيم يرأس اجتماع "الإسكان".. ويستقبل مجلس الربيعية    أمير المنطقة الشرقية يُكرّم المتفوقًين ويدشن "جائزة البر للتفوق العلمي"    نائب أمير تبوك يستقبل أعضاء جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليا    المملكة تسهم في إحباط محاولة تهريب (207) كيلوجرامات «شبو» في ماليزيا    استعادة 31 موقعًا على واجهة أبحر    أمين الطائف يقف على المشاريع التطويرية بالمويه وظلم    البيان المشترك الصادر في ختام زيارة ولي العهد لمصر    الأمير محمد بن ناصر يستقبل القنصل العام المصري    الأمير محمد بن ناصر يطلع على خطة فعاليات وبرامج " شتاء جازان 2025 "    سعود بن بندر يرأس اجتماع اللجنة التنفيذية لهيئة تطوير المنطقة الشرقية    الشيخ سعود الشايع يشكر القيادة الرشيدة بمناسبة ترقيته للمرتبة الخامسة عشرة    أمير المدينة يزور معرض القصواء احتفاء بعام الإبل    مؤتمر علمي حول مستجدات مرض باركنسون في مدينة الملك سعود الطبية    أمير القصيم يرعى حفل تخريج 153 حافظاً بجمعية تحفيظ القران الكريم ببريدة    المؤتمر الدولي العاشر للغة العربية يناقش الأمن اللغوي وقضايا الهوية    أسواق العثيم".. 68 عامًا في خدمة الاقتصاد ودعم المجتمع    مغادرة الطائرة الإغاثية السعودية الرابعة لمساعدة الشعب اللبناني    «البلسم» تجري 23 جراحة ناجحة في أول يومين من البرنامج الطبي لجراحة القلب والقسطرة للكبار في أوزبكستان    أمطار مصحوبة بزخات من البرد ورياح مثيرة للأتربة والغبار على 5 مناطق    26 من الطيور المهددة بالانقراض تعتني بها محمية الملك سلمان    العيسى يدشن المؤتمر الدولي «الإيمان في عالم متغير» للتصدي لشبهات الإلحاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أ.د كمال الدين عيد
كوميديا حقيقية
نشر في الجزيرة يوم 17 - 05 - 2001

في الاسبوع الماضي وعلى مدى اسبوع كامل على غير عادة المسرح السعودي قدم مسرح نادي الشباب بالرياض المسرحية الكوميدية «الضربة القاضية» التي كتبها واخرجها الفنان صالح الزير.
تباشير مسرح جديد
في البداية اقدم شكري للاستاذ جمال محمد القويفلي مدير النادي، الذي اتاح لي بدعوته عودة الامل في مشاهدة تجربة جادة واصيلة بكل المقاييس وليس هذا اطراءً لكل يد مسرحية ساهمت في العمل الفني، بقدر ماهو تحليل علمي للتجربة يستند على وظيفة المسرح وتجاربه ونتائجه الطويلة والعريقة.
أولاً الكوميديا:
اقدر هذا الجهد الذي قدمه المؤلف صالح الزير ومسرحيته الضربة القاضية تعلن ميلاد كاتب كوميدي سعودي يتفهم اسس الدراما. صحيح ان ارسطو في كتابه )فن الشعر( لم يتعمق كثيرا في قواعد الكوميديا بقدر ما اسرف وتبحّر في التراجيديا وهو ماصعّب عبر قرون عديدة الاهتداء الى اسرار كتابة الكوميديا الجيدة.
والكوميديا التي شاهدتها من نوع الملهاة الاجتماعية، اي التي تدور وتدور حول معالجة القيم الاجتماعية التي تمس مشاعر الجماهير واحاسيسه. بَعُدت «الضربة القاضية» عن كوميديا التهريج والبهلوانيات SLAPSTICK، لم يستعمل الكاتب اللا واقعية او الغرابة كما في كوميديات الجروتسك، وجرت الاحداث في واقعية بحتة، فالمكان هو المملكة، والعصر هو الآن بعيدا عن الرومانتيكية واحلامها وفكاهياتها، ولم يلجأ الكاتب الى الملهاة الهزيلة الخالصة المسماة بالفَارْس FARCE والتي تعتمد في كل مشاهدها على الهزليات مزجا وتحقيقا. وسواء قصد الكاتب ذلك او لم يقصد، الا انه استطاع ان يفرض بكتابته الدرامية وحواره الشيق، ومواقفه الدرامية، التناقض كل التناقض الذي هو احد عناصر تغذية الكوميديا في العالم اجمع ومن الجدير بالذكر ان العرض الذي شاهدته قد لوَّح الى اشارات تصحيح واجبة بعد ان وضع ابطاله الثلاثة في مآزق عدة تمثل الصراع الواجب لكل درامات العالم، فشابهت المسرحية ما اطلق عليه زميلي الراحل الاستاذ الدكتور ابراهيم حمادة رحمه الله الملهاة التصحيحية
ثانياً تحليل الشخصيات وفق التفكير العلمي:
ثلاث شخصيات فقط تدور حولها الكوميديا، اوهم يدورن حول المسرحية، رباط عقلي تكشف عنه مواقف تصعد وتهبط ثم تعود الى مد الصعود، ووسط هذا الصعود ينمو الفن المسرحي افقيا، في سبيل الارتباط بالاوضاع الانسانية، والتي هي نفسها الاوضاع الاجتماعية والثقافية والمادية والروحية لثلاثة شباب سعوديين قرروا اقتحام الصعب غير عابئين )بسوالف الضعفاء( في مجتمعهم، ليشقوا طريق التجارة البسيطة، بالامل والترقب.
الحقيقة العلمية نسبية، هكذا كانت وستظل لانها لاتكف عن التطور والنمو. ظن من سبقونا ان نظرية نيوتن هي آخر شواطئ الحقيقة العلمية المطلقة لمدة قرنين من الزمان، ثم جاءت فيزياء اينشتاين لتبتلع نظرية نيوتن في احشائها، لعل ذلك يكشف عن التراكم للحقائق العلمية، والفنية ايضا.
الشخصيات الثلاث من زاوية فن كتابة الدراما جاءت عقلانية واقعية، حتى وان عجز الابداع الفني او الادبي، احيانا عن الاستناد الى المنطق العقلي الدقيق، لكن الحدس خاصة في المجال العقلي، هو القادر على الوصول مباشرة وفي غير مباشرة الى النتائج المطلوبة. هذا الحدس العقلي الفني يفسح طريقا الى المعرفة، معرفة تظهر امامنا لاتحتاج الى واسطة للتعرف عليها اذ مشكلة البطالة في الدراما واضحة، لذلك فهي معرفة تنقل المشاهدين مباشرة ورأسا الى لب موضوع الدراما بعيدا عن اوصاف خارجية وسفسطات حوارية خائبة او سطحية. وهي في النهاية معرفة فردية او شخصية تنال الشخصيات الثلاث، كلاً بحسب طبيعته وتكوينه وبيئته وثقافته، لتقدم له تجربة من نوع خاص يجري الاقناع بها عن طريق الفعل التمثيلي، وليس عن طريق السرد القصصي او الوصف الروائي.
لماذا اثّرت الشخصيات الثلاث وعددها نادر بل وقليل في درامات العصر على جماهير مسرح الشباب، وكان اغلبهم من شباب لم يتجاوز العشرين من العمر لعلني اجد تفسيرا لذلك في حماس الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون H.BERGSON 1859 1941م، ودفاعه الفائق عن الحدس، الذي اعتبره الملكة القادرة على النفاذ بنا الى العمق الباطن للأشياء!! هكذا كان طريق العرض المسرحي.
ثالثا فن الاداء التمثيلي
يتضح لي من العرض المسرحي، ان الابطال الثلاثة فايز المالكي، عبدالعزيز الفريحي، حبيب الحبيب، موهوبون اضافة الى تعامل جدِّي مع فنون التمثيل المسرحي، بمعنى تفهمهم لحرفية الالقاء قبل الدخول في التمثيل، وتحت جِلد الدور كما علمنا استاذنا زكي طليمات، ففي الالقاء كان الحوار واضحا، مُعبرا في صدق، الالفاظ سلسة، والالقاء متفق في اغلب المشاهد مع اساليب التجويد اللغوي في اللهجة المحلية، بُعدٌ عن الرتابة او الرويّ الواحد، وذلك باستعمالهم طبقات الصوت الثلاث وتوناته التسع، بما اوصل فن الالقاء الى حالة الابداع الفني، ان فن الالقاء الجيد هو مزيج بين العلم والفن. اذ لايكفي لا العلم وحده، ولا الفن وحده، للايصال الى الابتكار الفني، الملقى يستند على الصدق لايصال المعنى الحواري، لكن الممثل وبإلقائه الجيد يملأ هذا الصدق بالاحساس وتنوع الانفعالات وفق مايتطلبه المشهد المسرحي.
رابعا فكرة العروض المسرحية بالأجر:
بالنسبة لي على الاقل ومنذ ست سنوات تعودت ان اشاهد عروض المسرح السعودي بالمجان، اللهم الا من رسوم دخول المسرح في بعض مهرجانات الصيف.
ولشد ماكان يؤلمني عرض المسرحية لليلة او ليلتين على اكثر تقدير واقولها صراحة، ليس هذا هو المسرح، لا بالمجان، ولا لليلة او ليلتين، لماذا؟ لماذا هدر جهود الفنانين؟
بدأت تجربة المسرح ايام الاغريق اول ظهور لفكرة المسرح وعروضه في العالم. حقيقة انها بدأت بالمجان في اثينا، لكن سرعان مافرضت الدولة الاثينية، )بولوس( ثمنا لتذكرة دخول الشخص الواحد، حدث ذلك بعد ان كان دخول المسرح اجباريا، بل كانت تحصل غرامة على من لايذهب الى المسرح مجانا، من اجل نشر مبادئ الاخلاق، حدث ذلك منذ 25 قرنا، وعبر تجربة مسرحية طويلة، لايمكن لمسرح مجان ان يستمر، حتى وان صرفت عليه الدولة لماذا مرة ثانية؟
لأن الذهاب الى المسرح حاجة من حاجات الجمال، تماما كمن يحس الحاجة الجمالية لان يرى غروب الشمس، او تدفعه حاجته الجمالية لمشاهدة معرض من معارض الفن التشكيلي، هذا الوازع يكلف ثمنا، وهو الدافع الى الاحساس، بالجمال، ولقد ثبت فشل فكرة المخرج السويدي انجمار برجمان حينما تقدم للحكومة السويدية بالغاء رسم دخول المسارح في السويد. وحتى في التعليم الذي يتقدم بأولويته على الفن كضرورة من ضروريات بناء المجتمعات فعندما قرر قسم التربية الفنية في جامعة الفاتح حيث كنت اعمل لسنوات طويلة، تدريس مادة ثقافية واحدة حرة لطلاب الفنون، لكن بدون درجات، لم يقبل طالب واحد على المادة.. المجانية في العلامات من وجهة نظره طبعا. اما قضية الاستمرارية في المسرح، واعني بها تمثيل المسرحية عروضا مسرحية، فانها من الاهمية بمكان لضمان استمرارية المسرح، واجتلاب الجماهير وتدفقها، بعد علمها على فترات بمواعيد العرض، وايامه، ومكانه، بل وزمن المسرحية ايضا )في برنامج العروض الاوروبية التي شاهدتها في اكثر من نصف قارة اوروبا، تعثر على زمن بداية العرض بالدقيقة، وكذلك زمن انتهائه، لقد ثار المخرج الانجليزي بيتر بروك لأن احد عروضه زاد 6 دقائق عن الزمن المحدد له، اي نظام دقيق هذا، الذي يُنبئ عن احترام كل ممثل للحوار والنص، كما يضبط اعمال الفنيين الآخرين؟
وأرى ان مسرح الشباب بعرضه الجديد قد مسَّ قضيتي المجان والتمثيل لليلة واحدة بكل الجرأة، وانه بذلك يسير على النهج التقليدي الصحيح لفكرة المسرح في العالم، تذكرة الدخول بعشرين ريالاً «اجر زهيد للمواطن والمقيم» وان طال امد العرض لاسبوع.. منهج جديد ومفيد للحركة المسرحية السعودية.
خامسا مشاركة ضيوف الشرف
من المؤكد ان الفنانين الكبار محمد العلي، ناصر القصبي، عبدالله السدحان، د. بكر الشدي، راشد الشمراني، لهم اجلال واعزاز في قلوب جماهير المملكة، وفي ظني ان مشاركتهم ولو بالتمثيل لنجم من بينهم او اكثر، ولو بدور صغير رمزي كان سيحقق وقعا رائعا وجميلا بين الجماهير، اضافة الى اثراء فني للشباب الثلاثة، فكرة الاستضافة رائعة وجذابة، لكنني اخشى اندثارها اذا ما استمرت المشاركة على الحضور بين الجماهير، فالجماهير عرفت هؤلاء النجوم الكبار من المسرح والتلفزيون كممثلين نابهين، ولم تعرفهم متفرجين في صالة الجمهور.
سادسا الإخراج والفنيون:
بلا أية مبالغات او اطناب اشد على يد الفنان صالح الزير، كتابة درامية واخراجا، جهده في توجيه الممثلين وفي تفسير للمشاهد واضح للمشاهدين، تلقُّفه لفكرة الكوميديا الاجتماعية، وبعده عن شقلبات الحركة، وتمويهات الاضاءة بلا سبب درامي، وتقنينه لحركة تناسب المشاهد، وحرصه على الايقاع الذي يضمن ايصال فن التمثيل مقنعا مباشرا مستقيما، لكل هذه الاسباب اندفع الشباب في الصالة الى الضحك البريء والصافي، والى استيعاب التجربة الجريئة للعمل من الابطال الثلاثة. كنت اود لو ان الاثاث في الحجرة في الفصل الاول كان بحجم اقل حتى لايبلع مساحة خشبة المسرح، وحتى لاتفقد الخشبة التوازن المطلوب لحركة الممثلين على المسرح ومن الطبيعي ان احيي كل الفنيين الذين يعود لكل منهم الفضل الاول في سير العرض المسرحي منضبطا بلا اصوات تتداخل مع حوار الممثلين. احترامي للفنانين:
سعد المدهش، راشد الشعيل، سعيد السعيد، طلال الصدر، محمد الفريج، وهم ممثلون ايضا، محمد المديفر، خالد العليان، سلطان الشعيل.
كلكم اشقاء المهنة قدمتم عرضا سعوديا جميلا حفظكم الله ورعاكم، والهم الدعاية والاعلان للاهتمام بأعمالكم.
* د. إبراهيم حمادة:
معجم المصطحات الدرامية والمسرحية. دار المعارف. القاهرة 1985 ص253


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.