سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
كريمسكي رأى قطيع غزلان في ضاحية بيروت سنة 1895 : الآن غابت الغزلان . هذا ليس حزيناً . سنوات تكر كحبات مسبحة ... ولعل الوقت يعطينا - بعد الحروب - سلاماً
سنوات تكرّ كحبّات مسبحة. قدم في الأربعاء 22 كانون الأول ديسمبر 2004، وقدم تدعس في 2005 . الأعوام تعبر على أجسامنا. ولا ندري ماذا يحدث غداً. هل كنّا قبل عشرة أعوام في شتاء 1995 نعلم أننا سنكون اليوم هنا؟ لا نعرف شيئاً. الدهر يحمل الينا ما يحمله الدهر. هل نعلم أين نكون في شتاء 2015؟ لا نعلم شيئاً. نغسل وجهنا ذات صباح ونرى أنه تغطى بالتجاعيد. ابيض الرأس. واللمعة في العينين تغيرت. هذا ليس سيئاً. ليس حزيناً. الأعوام تعطيك سلاماً أيضاً. دعة وسكينة. هذه حكمة الملك نستور، الذي بعد حروب الإلياذة اللانهائية، يستقر في قصر الأوذيسة، يأكل ويشرب وينام ويُصلي لأهله وأصحابه. عظمة الشيخوخة من تقلبات الشباب. الوقت هو الخيط السرّي الذي يعطي حياتنا معناها. يعطي الحياة شكلها، ويعطي الأدب شكله. ماذا نقرأ بينما نقرأ قصائد وروايات؟ بورخيس الذي لم يكتب روايات، مفضلاً تأليف المقالة والقصة القصيرة والقصيدة، أدرك باكراً أنه لا يكتب إلا عن الوقت. الوقت وأثر الوقت في الإنسان. حين زاره العمى في نصف رحلة حياته، مثل غسقٍ صيفي بطيء، استولى عليه الأسى: لن يرى الآن وجهه، وكيف ستغيره الأعوام. يكتب بورخيس عن ظلمة تغشى عيني هوميروس. ثم يكتشف الوقت الخفي الكامن في الظلمات: الذاكرة. حتى لو فقد نور العينين يقدر أن يرى ما كان وانقضى. الماضي لا يمضي. اليوت اعتبر ان الكاتب الحقيقي ان الشاعر الحقيقي يرى التاريخ كاملاً في أي لحظة حاضرة. الآن، بينما تقرأ هذه الكلمات، ألا تستطيع أن تذكر حياتك كلها وحياة أسلافك؟ لم نأتِ من فراغ. ولا نذهب الى فراغ. الخيوط تربطنا بالآخرين وتربطنا بالعالم. كافكا انتبه ان هذه الخيوط هذه الشبكة من العلاقات تحمينا من السقوط. هل تحمينا هذه الشبكة حقاً؟ الوقت مزّق - بجرثومة السلّ - شبكة كافكا. لكن الوقت أعطاه أيضاً "طبيب الأرياف" وصوراً خيالية لا تتبدد من دماغ القارئ أبداً. فيونس، الشاب الذي يصاب بالشلل بسقوطه عن حصان، يُعطى ذاكرة عجيبة وادراكاً عجيباً. فجأة يرى العالم كما لم يرَه أبداً من قبل. بورخيس يروي القصة بضمير المتكلم. مع أن أحداث القصة تجرى قبل ولادته. ايرينو فيونس الذي يموت قبل نهاية القرن التاسع عشر يبدو كأنه وُلد من قراءة بلينوس الكبير. الروماني القديم صاحب "التاريخ الطبيعي" يخبرنا عن ملك يحفظ أسماء جنوده جميعاً جندياً جندياً. فيونس ينظر الى الغيوم الصفر، كالمرمر في السماء، ويقارن شكلها بشكل غيوم مشابهة مرّت في السماء قبل صيف أو صيفين. يذكر رذاذاً يرسله مجذاف قبل معركة بحرية. وإذا نظر إلى عريشة عنب رأى العناقيد بكل تفاصيل حباتها كما يرى الواحد منا شكل المثلث أو المربع على اللوح الأسود. يرى بعينين مفتوحتين ولا ينام الليل من الذكريات المتدفقة في رأسه. عوالم كاملة تضطرب في قلب الكائن. عنده ذكريات تكفي جيشاً. حين يطلع عليه نور الصباح يرى بورخيس - مع القراء - وجهاً صقلته الأعوام. مع أن فيونس ما زال في العشرينات من عمره. لا، في التاسعة عشرة. يبدو أقدم من مصر. أقدم من النيل والأهرام. وجهه كوجه تمثال رخام روماني. كيف يحدث هذا؟ هل يعبر الوقت أحدنا كما لا يعبر الآخر؟ هل يحيا أحدنا في سنة واحدة مئة سنة؟ وهل يحيا آخر في خمسين سنة، سنة واحدة؟ أبو حامد الغرناطي القزويني ينقل عنه في "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات" ويسميه الأندلسي رأى شجرة زيتون تسقيها عين حلوة المياه فتثمر حبّاً أسود، بارق القشرة، لامع الزيت، بين ليلة وضحاها. لا نرى مثل هذه الأشجار الأندلسية منذ زمن بعيد. لكننا في نهاية كل سنة نرى شجراً ينبت برمشة عين من ساحات الاسفلت والحصى الأبيض: أشجار عالية تزينها الأنوار والمرايا، تشعشع بالكهرباء ليلاً، وتحتفل بمرور عام. لماذا نحتفل بمرور الأعوام؟ الوقت يتصرم ونحن نشيخ وبينما نشيخ نحتفل. لماذا نحتفل؟ لأننا ما زلنا هنا. الهاربون من يافا 1948 يذكرون أشجار البرتقال: في المنام ترجع اليهم. بينهم من مات. وبينهم من بقي حياً. أشجار الأعياد لا تشبهها. في سنة واحدة قد يعبر زمن طويل. وفي سنوات طويلة قد يبدو الزمن جامداً. الوقت غريب. دالي رسم الساعات تذوب كالشمع. مع أن هذا الرجل بلغ الشيخوخة مراهقاً! لم يتخلَ عن رعونة شبابه رعونة مراهقته يوماً! يشبه بحاراً عجوزاً يتنقل بين جزر العالم بساقين طويلتين، يخطو من جزيرة الى جزيرة، من قبرص الى مالطا الى سردينيا، يبحث عن أسماك، وكلما صاد سمكة وأكلها، ازداد جوعاً. مثل الذئبة في الصفحات الأولى من "كوميديا" دانتي لا يشبع أبداً. الناس أجناس. واحد يأكل سمكة فيعرف طعمها ويشبع من السمك الدهر كلّه. وواحد يأكل ويأكل ويأكل ولا يشبع أبداً. العجوز جائع، والشاب شبعان؟ أيوب المحموم سمع كلام أصحابه وعرف السرّ: الوقت لا يعطينا - ما يعطي - بكميات متساوية. ننظر الى الكهرباء على الأشجار ونفرح أو نحزن. شعراء المهجر، عند مطلع القرن العشرين، أحزنتهم أشجار نيويورك المزينة. الواحد منهم كان ينظر الى رقائق الثلج تنزل متهادية فيغتم. "يا ثلج قد هيجت أشجاني ذكرتني أهلي بلبنان". لبنان نفسه مذكور في عالم دانتي. ليس في الجحيم. بل في الجزء الثاني المطهر أو الجزء الثالث الفردوس. لكنه لبنان الخارج من "العهد القديم"، بأشجار الأرز والتفاح، يركض على تلاله الوعل وظبي الحقول. أين غزلان الأشرفية وبرج حمود الآن؟ أين بساتين الدورة الخضراء، بساتين التوت لا يرى بينها إلا كوخ واحد، يربى فيه القزّ؟ الوقت يعبر. دودة الحرير تنسج شرنقتها وتغيب في ظلام الشرنقة. كريمسكي رأى قطيع غزلان في ضاحية بيروت سنة 1895 . الآن غابت الغزلان. هذا ليس حزيناً. ليس سيئاً. هذا الوقت. والعالم الذي يتغير. تمشي في "عبدالوهاب الانكليزي" اليوم فترى عدداً لا يحصى من الكلاب. كلاب تأتي بالطائرات من وراء البحر. معها شهادات ميلاد. صفراء الفروة، بيضاء الأسنان، ناعمة النظرات. لا تنبح كثيراً. لكنها توسخ الرصيف. هذا ليس سيئاً. بيروت ليست أحسن من باريس. حتى في مانهاتن وهذه - منذ والت ويتمان - قلب العالم حتى في مانهاتن قد ترى الرصيف متسخاً. الدهر يحمل ما يحمله. الجحيم العراقي لم ينتهِ في 9 نيسان ابريل 2003 . ما زال مستمراً. صدام حسين في الحبس، بمَ يفكر؟ هل تبلغه ضجة الخارج؟ في أي ظلمات يسبح الآن؟ ليس فيونس. لا يعرف اللاتينية. لم يقرأ بلينوس. لكنه هو أيضاً عبره الوقت. هو أيضاً يذكر أشياء وينسى أشياء. ما زال حيّاً. ما زال هنا. غيره مات. لم يمتْ. وبغداد تعبر شتاء جديداً. كيف يحلّ شتاء 2015 أو 2016 على بغداد؟ في النصف الأول من القرن التاسع عشر زار الطاعون الأسود بغداد أكثر من مرة واحدة. في ثلاثينات القرن المذكور زارها مرتين وحصد آلاف القتلى. لم تكن المرة الأولى. الآن زال خطر هذا الوباء. لكن الموت يأتي بلا أوبئة أيضاً. أين ينتهي هذا الاضطراب الكبير؟ العالم كلّه في اضطراب. هذا لا يبدأ في عصورنا الحديثة. هذا هو العالم. الآن، بطغيان وسائل الإعلام، نشعر بالاضطراب الكوني في كل لحظة. الأعصاب تتسنن أمام الشاشة الصغيرة. الصحيفة والمذياع والانترنت والهاتف والتلفزيون والإعلانات على حافة الطريق، كل ما نراه ونسمعه في كل دقيقة يدلنا الى دوامة عنيفة تلف العالم. ونحن في عين الدوامة. كيف نعرف الراحة، والعالم يضطرب كما يضطرب كل ساعة؟ كيف نعثر على التوازن؟ وهل التوازن ممكن؟ ينهي غاو كسينغيان احدى رواياته لم يكتب عدداً كبيراً من الروايات. ويمكن القارئ أن يقرأها كلها - وبلا ندم بكلام عن موسيقي يحبّه. يكتب عن موسيقى تخرج من صراع داخلي طويل. موسيقى تشبه شمعة يرتجف نورها في الظلام. ليس غريباً أن يأتي مثل هذا الوصف من وراء أسوار الصين انسان عصورنا الحديثة كم يخاف إذا انقطعت الكهرباء ليلاً وتركته بلا ضوء؟. ليس غريباً أن يأتي من رجل يعرف ان العالم يطحن البشري، وأن الوقت يطحن الإنسان. لكن هذا الوقت ذاته يعطينا الأمل. الكارثة موقتة. كما أن الأمان موقت. الأمل هو أن نعطى الأمان أكثر من الكارثة. في الحالين يقلبنا نهر هيراقليطس على هذه الجهة، على تلك الجهة. وبينما نتقلب ونأكل ونقرأ وننام ونتقلب، نقول يا ربّ! ونقول عسى الآتي يكون أحسن. سرفانتس، بيدٍ واحدة، بائساً وفقيراً ومهملاً، أعطانا "دون كيشوت" 1605. الوقت أعطاه قوة وأملاً. وهو أعطانا عجوزاً يقرأ الروايات الليل كلّه فتنشف رطوبة دماغه ولا يعود يميز بين الواقع والخيال. يظنّ العالم - هناك، في الخارج - مملوءاً بالسهول الخضر والفرسان العمالقة والنساء الطيبات. يظنَّ - مثل كافكا - أنه إذا لبس خوذة مربوطة بربطات حرير خضراء، وخرج الى اسبانيا، وجد شبكة تنقذه من الوحدة وسقوط المعنويات والإحساس بالفراغ. هل كان ظنّه خطأ؟ نقرأ "دون كيشوت" اليوم فنزور عالمه. ليس عالماً خيالياً. الكتاب موجود. ليس خيالياً. الوقت حوّل اسبانيا القرن السادس عشر الى عالم دون كيشوت الخيالي. ماذا نعرف عن اسبانيا تلك الأزمنة؟ الوقت يسحر التاريخ. تولستوي حوّل كوتوزوف قائداً أسطورياً. مع أن المؤرخين المعاصرين وجدوا كوتوزوف قائداً بائساً! لماذا خسر بونابرت في روسيا؟ بسبب الصقيع؟ أم لأن الروس أحرقوا موسكو؟ هل كان كوتوزوف ماهراً أم بليداً؟ الوقت يمحو الحد الفاصل بين الأشياء. بعد قرون قد يضيع تولستوي في ظلمات التاريخ من يعلم؟. بعد قرون يمكن أن تنسى البشرية بونابرت. لا أحد يعلم ماذا يخفي المستقبل. الواحد منا لا يعلم ماذا يخفي اليوم الأول من سنة 2005 فكيف يتخيل ما سنذكر - أو ما لن نذكر - بعد قرون؟