في سياق المقارنة بين المواجهة العراقية - الاميركية الأولى من آب اغسطس 1990 الى آذار مارس 1991، والمواجهة الاخيرة كانون الثاني/ شباط - يناير / فبراير 1998 التي لا تزال تتراجع ببطء مع استمرار الحشود العسكرية وبقاء غيوم الحرب والتهديد المعلق على رأس العراق بتوجيه ضربات أميركية - بريطانية جوية أو بحرية لأهداف استراتيجية، سنجد ان كلا الأزمتين عرفتا قدراً من الربط المباشر وغير المباشر للعمليات السياسية التي أدارتها القوى الفاعلة والمتصارعة فيها. والربط linkge كلمة تستعمل أحياناً بمعنى الارتباط وأحياناً بمعنى الربط وكلا المعنيين ينطبقان على الازمتين الخليجيتين، وهي كانت في الازمة الأولى ربطاً غير مباشر بينما هي في الازمة الاخيرة ربط شبه مباشر. فخلال الازمة الاولى رفضت الولاياتالمتحدة في شكل قاطع الربط بين أزمتي الصراع الرئيسيتين: الخليج والصراع العربي - الإسرائيلي، بل شاركها بعض الأطراف العربية في ذلك. أما خلال الأزمة الثانية فقد استمرت الولاياتالمتحدة الاميركية رافضة للربط بين الازمتين، ولكنها في الوقت نفسه لم تستطع أن تتجاهل اعتراضات حلفائها وأصدقائها وتحفظاتهم في أوروبا وبين الدول العربية الذين أتهموها علناً ومباشرة بغض الطرف عن رفض اسرائيل تنفيذ قرارات مجلس الأمن واستمرارها في امتلاك اسلحة دمار شامل، بينما هي تحشد الجيوش والمواقف السياسية الدولية ضد العراق وتستمر في حصاره بحجة عدم تنفيذ قرارات مجلس الامن. في الازمتين الاولى والثانية لم تتمكن الولاياتالمتحدة من انكار وجود علاقة وثيقة بين نقطتي الصراع المشتعلتين في الكويت او في فلسطين ولكنها استطاعت في الازمة الأولى، وبسبب حدتها وتهديدها المباشر لتدفق النفط العربي وللدول العربية الصديقة للولايات المتحدة ان تحشد تحالفاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. كما استطاعت ان تفرض على اسحق شامير رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك امتناع اسرائيل عن الرد على أي هجوم عليها، وهو أمر لم يكن متوقعاً أبداً وانما نجحت الولاياتالمتحدة الاميركية في فرضه لضمان عدم استثارة الدول العربية التي تسهم بجيوشها في الحرب على جبهة الكويت - العراق. كان ذلك نوعاً من الربط غير المعلن والمؤجل، ولعل القيادات العربية فضلت في حينه ألا تطالب بالربط علناً طالما أنها حصلت على وعود من الولاياتالمتحدة بعدم قيام اسرائيل بأي عمل عسكري، ثم وعد آخر بتحريك عملية التسوية في الشرق الاوسط بعد توقف القتال. ولاحظ الجميع حينها انه بينما كان جورج بوش أو جيمس بيكر أو أي مسؤولين أميركيين آخرين يرفضون الربط في احاديثهم، فإنهم كانوا يحرصون على الادلاء بتصريحات تتوافق زمنياً وتؤكد ضرورة تحقيق سلام في المنطقة والوصول الى تسوية نهائية للنزاع العربي - الاسرائيلي عند توفر الظروف. وبمجرد اعلان و قف اطلاق النار خرج جورج بوش على العالم بخطابه يوم 6 آذار مارس 1991 معلناً ضرورة انجاز التسوية الشرق اوسطية لضمان مصالح الولاياتالمتحدة سواء في استمرار تدفق النفط أو ضمان أمن اسرائيل او ضمان استقرار دول المنطقة او تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ثم انطلقت عملية ديبلوماسية كبيرة انتهت بانعقاد مؤتمر مدريد في تشرين الاول اكتوبر 1991. في الازمة الثانية، انكرت السيدة اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية وجود اي ارتباط بين ازمة العراق وبين النزاع العربي- الاسرائيلي، لجهة ان كل من حادثتهم من الرؤساء والمسؤولين، بخاصة العرب، ربط بين الازمتين واعتبر موقف اميركا نوعاً من النفاق واستعمال المعايير المزدوجة. كانت هذه هي نقطة الضعف الاساسية في الموقف الاميركي الذي عارضته دول اوروبية وروسيا والصين والدول العربية جميعاً، والرأي العام الشاب في الولاياتالمتحدة نفسها الذي ذكرت تظاهراته ببعض مشاهد الرفض الجماهيري الاميركي لحرب فيتنام. وفي المحصلة أقرّت اولبرايت بأن الولاياتالمتحدة لا تملك تحدي الرأي العام الدولي والعربي بتوجيه ضربة عسكرية الى العراق. وتلك كانت محصلة الربط هذه المرة. ومع ذلك فالربط في الأزمة الأولى يختلف عنه في الأزمة الثانية، فالعوامل التي اثارت الربط في الازمة الاولى تشمل، بالاضافة الى العناصر الثابتة الخاصة بالقرب الجغرافي والتوحد العقيدي والتضامن المعنوي بين الشعوب والدول العربية مع العراق ظالماً او مظلوماً، متغيرات كبيرة يمكن ملاحظتها. ففي المرة الاولى كانت المشكلة متعلقة باحتلال دولة عربية لاراضي دولة عربية اخرى ما أدى الى شق الرأي العام العربي المؤثر في مثل هذه الاحوال عند تحديد الموقف من التحرك الاميركي، كما ان الاتحاد السوفياتي السابق كان بدأ يتفكك ولم يعد في قدرته ان يحرك دولاً صديقة في المنطقة، ولا ان يحرك قوى سياسية شعبية موالية كما كان يحدث في الماضي. اما الدول الاوروبية فيلاحظ أنها خشيت انفراد العراق بنفط منطقة الشرق الاوسط مع انشغالها في مترتبات انفراط المعسكر الاشتراكي في وسط اوروبا. ومع ذلك فإن الموقف الشعبي العربي لم يرضَ بشكل كامل بالتحرك الاميركي العسكري الذي استمر جواً اربعين يوماً قبل ان يتحول الى هجوم بري ويعلن صدام حسين انسحابه من الكويت، وعندئذ انفجرت التظاهرات الشعبية في العواصم العربية الكبرى وفي مقدمها عمان والقاهرة وكانت بذلك كعلامات المخاض، وساهمت في اسراع جورج بوش بإعلان وقف اطلاق النار على جبهة الكويت - العراق، وتلك كانت قمة الربط السياسي بين تلك الازمة وبين الصراع العربي - الاسرائيلي. هذه المرة كانت عوامل الربط المعنوية والسياسية الرسمية والشعبية اقوى مما كانت عليه في المرة الاولى، إذ عاد الدور الروسي بارزاً وكذلك الموقف الفرنسي الذي كان ضعيفاً في المرة السابقة ولكنه لم يتطور الى رفض محدد للتحرك الاميركي كما تطور هذه المرة، بالاضافة الى وضوح موقف الصين. وهذه الدول الثلاث هي من الاعضاء الدائمين في مجلس الامن، واستعملت في رفضها للتحرك العسكري الاميركي الحجج نفسها التي استعملها الرافضون لهذه الضربة من بين الدول العربية والاسلامية، بالاضافة الى ان الاحتجاجات الشعبية الداخلية على النيات الاميركية بدأت هذه المرة داخل اميركا وفي أوساط الشباب قبل ان تتحرك الطائرات فعلا. إذا كان الربط هو تكتيك سياسي، ربط بين ازمات العالم والتسويات الاميركية والسوفياتية، وفي اطاره نشأ حوار بين القوتين العظميين آنذاك، سلاحه الاتفاقات والتسويات بالوكالة وحتى عمليات العنف الفردي. فإن كل هذا تغير بغياب الاتحاد السوفياتي، كقوة عظمى مواجهة لأميركا التي انفردت بالعالم الآن. وفي السنوات الاخيرة نشأ النظام العالمي الجديد وزاد دور التجمعات الاقليمية الجغرافية والاقتصادية والعسكرية التي تحاول الولاياتالمتحدة السيطرة عليها مجتمعة. مع هذا التغيير الجديد، ومع التغيرات الاخرى التي حدثت في عالم اليوم لم تعد الولاياتالمتحدة الاميركية تتصرف في العالم كما كانت تتصرف في الماضي ففي الماضي كان الاتحاد السوفياتي يشاركها القيادة بغنائمها وخسائرها، اما الآن فعليها وحدها ان تقيم التوازنات بين دول كل اقليم، أي أنها لم تعد قادرة على نفي فكرة الربط، خصوصاً بعد توزع العالم الى اقاليم يحاول كل منها ان يقيم توازناته مع محيطه وفي ما بين دوله ومع الدولة التي تنفرد بالقيادة الآن، أي اميركا. ومن المسلم به ان الولاياتالمتحدة هي الدولة الأولى والأكبر في العالم وهي تسعى الى زيادة نفوذها المالي والإعلامي والتقني حتى بالوسائل العسكرية، ولكن هذا الوضع الجديد يفرض عليها مسؤوليات تحتمها المصالح. ومن هذه المسؤوليات اطفاء نقاط التوتر الاقليمية واحتواء ما تعتبره تهديدات لمصالحها او مصالح الدول الصديقة لها. وهي تفرد مكانة خاصة في استراتيجيتها الكونية والاقليمية الشرق اوسطية لضمان أمن اسرائيل. وليس ذلك بالأمر السهل، ليس فقط بسبب تعارض المصلحة الإسرائيلية مع مصالح الدول العربية الصديقة لأميركا وإنما بسبب تعارض السياسة الاسرائيلية مع سياسات وخطط الولاياتالمتحدة. والنموذج الأوضح لهذا التعارض هو أزمتا الخليج، اذ فرضت أميركا في الأولى على إسرائيل تلقي الصواريخ العراقية من دون رد، وفي الثانية فرض العرب على اميركا ان تمتنع عن ضرب العراق بالحجج التي تسوقها لأنها بذلك تنافق اسرائيل وتعامل دول المنطقة بمعيار مزدوج. وهناك نماذج أخرى قائمة لعل أهمها مؤتمر مدريد العام 1991 الذي ما كان أن يعقد لولا "الربط" بين الأطراف العربية، ومنها الفلسطينيون، وبين اسرائيل في اطار دولي. صحيح ان هذا الاطار الدولي سرعان ما توزع على مسارات متعددة، منها مسارات ثنائية عربية - اسرائيلية، ومنها مسارات دولية اقتصادية وأمنية وبيئية واخرى تعني باللاجئين، الا ان الولاياتالمتحدة كانت ولا تزال تحاول الفصل بين هذه المسارات وبعضها البعض حتى اذا كانت تحقق تقدماً على مسار فهي تربط - من دون اعلان - بينه وبين المسارات الاخرى بآلية تنظيمية وسياسية واقتصادية. ولكن حتى هذه المحاولات الاميركية لم تنجح بسبب الانقلاب السياسي في اسرائيل الذي احدثه وصول حزب ليكود برئاسة نتانياهو الى الحكم، وهو بدأ منذ جاء التراجع عما كان تحقق على المسار الفلسطيني وتعمد تبريد علاقاته مع الدول العربية الأخرى. وكان منطقياً أن تبادله هذه الدول التراجعات وألا تتمكن الولاياتالمتحدة من القفز على هذه الحالة التي تحولت من مشكلة ثنائية مع اسرائيل وعادت لتصبح مشكلة اقليمية تشارك فيها كل الدول العربية، فلما جاءت أزمة العراق أدت بدورها الى مزيد من الربط الذي لم يعد من الممكن تجاهله وإنكاره. وعندما ترفض اولبرايت الربط بين الأزمتين، فإنها تُدين نفسها مرة اخرى. فمنذ سنوات وأميركا تربط بحصارها بين إيرانوالعراق بسياسة الاحتواء المزدوج وهي تفرض حصارها على الدول العربية التي تسميها بالدول الشريرة مثل ليبيا والسودان. والاحتواء المزدوج هو ربط رسمي اميركي، فلماذا لا تربط اولبرايت بين اسرائيل وأزمة العراق بينما تربط بين العراقوإيران في فرض العقوبات؟ أم أنه استخدام للمعايير المزدوجة كما هي عادة المنافق؟