تيريزا مورا أديبة هنغارية، وكاتبة سيناريو ومترجِمة، تستحضر في هذه الرواية دول أوروبا الحديثة متعددة الثقافات، وتكشف عن العلاقات الإنسانية بعمق، بنثر ذي تفعيلة شِعْرية، وُصف بأنه يمثِّل لغة مبتكرة في كتابة الرواية المعاصرة. تدور أحدث الرواية حول آبيل نيما، بطل الرواية الغامض، ذي الموهبة اللغوية؛ حيث يتحدَّث عشرات اللُّغات بطلاقة، والذي عُثر عليه في حديقة موحِشة في إحدى مدن أوروبا الغربية، مرتديًا معطفًا قديمًا ومعلَّقًا من قدميه، نصف ميت! عندما غادَر وطنه في البلقان قبل عشر سنوات إلى منفاه الاختياريِّ، عاش بين اللاجئين، وهم مجموعة من موسيقيي الجاز البوهيميين، وشاب غريب الأطوار يدرس التاريخ القديم، وعصابة من فتيان الغَجَر، وجاره الذي يدَّعي أنه زار السماء، وشخصيات أخرى غريبة، وعائلة المهرج الذي انضم اليهم مؤخرًا. يعيش آبيل حالة بائسة بسبب بقائه دون الإقامة؛ مما اضطره لأن يتزوَّج زواجًا صوريًّا.. ورغم كل هذه الأحداث الغريبة التي مرَّت به وكل اللغات التي يعرفها، فإنَّ القليل من المشاعر الإنسانية فقط كان يستطيع أنْ يصوغها في كلمات. الحكايات التي أرويها حكاياتٌ قد تكون طريفةً أو مؤلمةً؛ جامحة وغير معقولة؛ مأساوية، هزلية؛ طفولية وإنسانية مفجعة؛ مكثفة، وعاطفية بشكل ساخر؛ متشككة وصادقة في آنٍ معًا؛ كارثية، وطبيعية، وأوصاف أخرى.. والأهم من ذلك أنها تمثل أعجوبة، فالبحث عن الأعاجيبِ لا ينتهي، ونحن دائمًا نبحث عنها في كلِّ مكان، أو أنها ببساطة تجذبنا إليها! فهناك باستمرار أعاجيب تحدث من حولنا، وليس من قبيل الصدفة أننا نُسمِّي حاضرنا بزمن الأعاجيب. قال المحرر لآبيل نيما عندما التقاه للمرة الأولى والأخيرة: "الدول اللاتينية دول منتجة، خصبة، وبابل القديمة، وترانسيلفانيا، بطبيعة الحال، والبلقان، وغيرها، هل تعرف حقًّا كلَّ تلك اللغات؟ عشرًا منها في وقت واحد؟! الرجل الذي يبدو عليه سماتُ الصلاح لا يمكن أنْ يكون كاذبًا، أليس كذلك؟ أم من الأفضل أنْ أقول إنك تشبه راسبوتين؟ حسنا، دعني أسمِّك راسبوتين من وراء ظهرك، موافق؟! ما هو الجديد مع راسبوتين؟ لا يهم في النهاية، لا يهمني إنْ كنتَ تكذب؛ الشيء المهم هو أنْ تكون صالحًا، هل تفهم؟" حسنًا، على الرغم من أنه ليست هناك حاجة للكذب، فالحياة في الواقع مليئة بالصُّدَف والكثير من الأحداث المروعة. تعرف ذلك بالتأكيد!. الطيور دعونا نحدد الوقت الآن، دعونا نسمِّي هذا المكان! دعونا نصفهما على النحو التالي: حيٌّ سكنيٌّ يقع تقريبًا في الناحية الشرقية من مركز المدينة، شوارع معتمة، المحلات فارغة أو مليئة بأشياء لا يعرف أحد كنهها، والمساكن المكتظة بساكنيها تمتد بتعرُّج على طول خط سكة الحديد ثم تنتهي بشكل مُفاجئ إلى طريق مسدود ذي جدران من الطوب. إنه صباح السبت، وهواء الخريف، لا توجد حديقة، بل مجرد مثلث صغير مقفر زائد، يسمى بمثلث المساحة الخضراء، فعندما يلتقي شارعان معًا في نقطة تنتج زاوية فارغة من الأرض. وعند هبوب الرياح بشكل مفاجئ في الصباح الباكر بسبب تخطيط الشوارع مثل الفلقة، يصدر صحن الأحصنة الخشبية الدوارة في ملعب الأطفال صوت قرقعة، كانت اللعبة قديمة أو هكذا تبدو في طرف المساحة الخضراء، بالقرب منها هناك مكان لوضع صندوق القمامة، ولكنه دائمًا خالٍ، ولا يوجد به صندوق؛ لأنَّ القمامة تتطاير فوق الشجيرات المجاورة، التي تحاول التخلص منها برعشات الهواء، ولكن ما كان يتحرك في الغالب هي أوراق الشجر التي تئزّ فوق الأسمنت والرمل والزجاج والمساحة الخضراء المهترئة. هناك امرأتان تمشيان، وبعد برهة تلحق بهما أخرى، ذاهبات إلى عملهنَّ أو عائدات منه، يأخذنَ طريقًا مختصَرًا، فيمشينَ في ممرِّ المشاة الذي يقسم المساحة الخضراء إلى مثلثين. كانت إحداهنَّ بدينة، تشد صحن الأحصنة الخشبي بأصبعيها وهي تمشي، الذي اتّكأ على قاعدته ليطلق صوتًا حادًّا، وكأنها صرخة طير، أو ربما كان في الواقع طيرًا، واحدًا من المئات الذين يرفرفون في السماء. الزرازي. دار الصحن وترنح. بدا الرجل بالنسبة لنا كأنه طير، بل، خفاش عملاق معلَّق، ذيل معطفه الأسود ترفرف به الريح بين الحين والآخر. في البداية ظنوا - وقالوا ذلك كثيرا فيما بعد - إنَّ شخصًا ما قد ترك معطفه على عمود تعليق السجاد، أو أعمدة ألعاب الأطفال أو غيرها. ولكن بعد ذلك رأوا يدين تتدليان، كانتا يدين بيضاويتين، ورؤوس أصابعهما تلامس الأرض!.في صباح يوم خريفيٍّ مبكِّر، عثُرت النساء الثلاث في الحديقة المهجورة، التي لا تبعد عن محطة سكة الحديد على المترجم آبيل نيما يتدلى من أعمدة ألعاب الأطفال: قدماه مجروحتان ومربوطتان بشريط فضي، ومعطفه الأسود يغطي رأسه، يتأرجح قليلًا كلما هبَّت نسمات الصباح.الطول: تقريبًا (طويل القامة جدًّا). الوزن: يبدو (خفيفا جدًّا). الذراعان والساقان والجذع، والرأس: نحيف. الجلد: أبيض. الشعر: أسود. الوجه: ممدود. الخدود: أسيلة. العيون: صغيرة. الجبين: عريض. الحاجب، الأيسر: متدلٍّ ؛ الأيمن: مرتفع. بدا الوجه غير متناسق بفِعل السنين، الجانب الأيمن يقِظ، والجانب الأيسر خَدِر. لم يكن رجلًا سيئ المظهر، عدا آثار عدة جروح قديمة، بالإضافة إلى عشرات حديثة، ولكن بصرف النظر عن كل ذلك: كان شيء ما مختلفًا الآن! وعندما رأته زوجته مرسيدس التي تم استدعاؤها إلى المستشفى، خُيِّل إليها كما لو كان نائمًا. * قال الطبيبُ بالكاد: "لقد أدخلناه في غيبوبة اصطناعية؛ حتى نعرفَ ما يحدُث في دماغه". وحيث تم تصنيفها كجريمة بدأوا يطرحون أسئلة: * متى آخر مرة رأيتِ زوجك؟ * قالت مرسيدس ذات الوجه الطويل الجادّ: «كانت المرة الأخيرة.. عند الطلاق!». تيريزا مورا