كثيراً كنت وإخوتي نسمع بعض العبارات من الوالد -الله يشفيه ويرفع عنه- (لم أعقب أو أترك لكم المال، وإنما العلم والعلم)، وسارت معنا ولم نعيها إلا بعد أن تخرجنا، فأصبح لدينا المهندس والدكتور والفني والمعلم، ومنا من لم يكمل؛ فأصبحت تلك المقولة أمام أعيننا (شاهداً على العصر). وحتى ندخل إلى صلب الموضوع والمشكلة الأزلية هي السعودة وتوطين الوظائف؛ حيث إن كثيراً من البنوك والشركات والمؤسسات تحاول أن تجد الأعذار الواهية ل (تفضيل الأجنبي) على (المواطن)، وتعمل دائما على تشويه منظر السعودي ولا تقبل بتوظيفه، فضلا عن الفصل التعسفي والظلم الذي يجده شباب هذا البلد بدون وجه حق أو عذر مقبول إلا لأنه لا يحمل شهادة أو غير مؤهل للعمل أو غير كفء وغير مدرب أو قليل الإنتاجية، وخذ من هذه (الأساطير والخرافات) التي يرمي بها صاحب العمل على هذا السعودي المسكين، وحتى لو كان دوام هذا المواطن مكتمل النصاب ويعمل مثله مثل زملائه من المقيمين سواء من الإخوة العرب أو من الجنسيات الأخرى. وربما بعض الأحيان يكون لدى المواطن الشاب شهادات عليا (ماجستير أو دكتوراة) لا تجدها عند مدير عام الشركة، وقلما ينجح بعض من شبابنا في أن يكون جديرا يستحق ما يعطى أو لنقل أقل القليل، هذا إذا كان لديه عفوا (واسطة) في هذه الشركة فضلا عن (مؤهلاته)، وهذا لعمري يجرنا إلى سؤال عريض (أين دور الرقابة الوظيفية «الضعيف» للتوطين وعدم «كفاءة تطبيق» السعودة وتنفيذ الأوامر السامية بهذا الخصوص؟)!! فالدولة حينما تنفق كثيراً من ميزانياتها، وتصرف الملايين في التعليم والابتعاث، وتحمل على عاتقها تدريب هذه الكوادر البشرية بدورات مهنية، إضافة إلى عمل ندوات وورش عمل متخصصة يحضرها كبار الأساتذة في مجالات عدة ومن دول لها اسمها على خارطة العالم ولها وضعها الصناعي والاقتصادي يلقون محاضرات قيمة من أجل أن يكون الفرد السعودي حاضرا ملما مدركا لكل جديد، وبالتالي صناعة جيل يحتاجه الوطن على كل المستويات، ومع هذا تجد السعودي بفضل من الله يثبت جدارته في أغلب المسابقات الثقافية والعلمية العالمية، وتجد اسم هذا المواطن السعودي في أعلى لوحات الشرف في أمريكا والدول الأوروبية. وأصبح السعودي مضرب مثل في أي مكان يحط رحاله فيها في الطب وعلوم الهندسة والطيران، وحتى في الدين والتشريع الإسلامي، وتجده في الاختراعات والتصاميم وسباق السيارات، وتجده الأفضل في دفعته سواء الطيران المدني أو الحربي، وتجده في الفن بكل أطيافه الغناء والتمثيل والشعر، وهو ذلك الجندي في ساحات القتال وجبهات الوغى له بصمته، والمواطن هو من يدير أكبر الشركات العملاقة على مستوى العالم مثل أرامكو وسابك والمدن الصناعية؛ حيث أصبح الرقم الصعب، فابن هذا البلد يركب المستحيل ويعشق التحدي والمغامرات التي أعاد صياغتها هو وأثبت جدارته وبامتياز يحسدنا عليه القريب قبل الغريب!! فيا لله العجب ويا مع الأسف الشديد، فمن الواضح أن المشهد العام للشركات في المملكة لا يبشر بخير، ونظرية (الأخذ) لديها تزيد وبمراحل على نظرية (العطاء)، والهرم لدينا (مقلوب مقلوب يا ولدي) دون أن تجد هذه الشركات رادعاً أو عقوبة أيا كان صاحبها ذو شخصية اعتبارية، فالمسألة هنا مستقبل أمة، وربما يعرف أصحاب القرار بأن (المشكلة) هم مَن في يدهم تطبيق التشريعات والأنظمة الحكومية للتوطين الذي هو أصلا شكليا وهميا ناقص الأركان!!!. فهذه الشركات الديناصورية مازالت تمتص من دماء الوطن (مليارات الدولارات) ولا تريد أن تمد يد المشاركة مع القطاع الحكومي في سبيل أن يكون وطنا للجميع، وحتى نصل إلى غاية أفضل ومستقبل أجمل لأجيالنا.. فهل من مجيب؟!!!