يعد القضاء ركيزة من ركائز العدل، وأساساً من أسس الحكم، وتحت هذين (العدل والحكم) تساس الأمم، وينشأ أكبر قدر من رضا الأطراف الضمني والمعلن، ومن ثم تقوم قائمة التشريع، وترفع راية الإنصاف. والمتأمل في معظم شؤون القضاء في المملكة العربية السعودية يدرك أن القضاء يستمد تشريعاته من الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، وهذا كله - في جملته - مدعاة فخر يشيد بها المنصفون، ويقتبس من سناها الآخرون. وبما أنني احترست بقولي: "في جملته" فثمة ما أود أن أسلط عليه الضوء حول شجن قضائي من بين شجون أخرى لا أحيط بها جيداً، وهي بحاجة الى من يسلط عليها الضوء، اما ذلك الشجن الذي سأستعرضه وأظن أن لي فيه بعض اطلاع وإلمام فهو الحكم التعزيري، وتفاوت أحكام القضاة فيه على مستوى القضية الواحدة. ولعلي باستعراض هذا أعرض للمسؤولين من المعنيين في المجلس الأعلى للقضاء وغيرهم رؤيتي بصفتي مواطناً عايش - عن كثيب - جملة من القضايا الموجبة للتعزيز، فحمد لله على كل حال بعد ان تداخل في وعيه ووجدانه شعور كله غبن واستياء جراء ارتجالية بعض الاحكام، وتفاوت بعضها الآخر كثرة او قلة. وإني إذ أسلط الضوء على هذه الجزئية فإنني أطمح الى أن نباهي بتطبيق الشريعة الإسلامية في هذه البلاد من منظور واضح حاسم، ولكي يصبح قضاؤنا نبراساً مضيئاً بين المعالم من جميع جهاته، والله وحده من وراء القصد. لأجل ذلك سأعرض مالدي من خلال نقطتين @ إشكالية الاجتهاد المطلق: لا ريب أن الاجتهاد أمر تشريعي مقرر على مر العصور الإسلامية في الإفتاء والقضاء، ولا مشاحة في مناسبته للإفتاء لمقاصد منها التوسيع والتيسير، وليس هنا مدار الحديث، إنما مداره الاجتهاد في الاحكام القضائية، وأخص منها الآن الأحكام التعزيرية، وذلك ما يتمسك به بعضهم، ويرى أن تأطير الاجتهاد القضائي بالتقنين تأطيراً دقيقاً خروج عن الموروث والمألوف؛ إذ لو كان في تقنينه خير لسبقنا إليه سلف الأمة، ويعلل آخرون بأن أمثال هذا التقنين لا موجب له؛ بدعوى أن معظم الأحكام مقننة او شبه مقننة في مصادر التشريع المعتمدة. وأود أن أضيف أيضاً ان فتح باب الاجتهاد على مصراعيه قد يسوغ لبعض القضاة الخروج عن صلاحياتهم المقررة؛ فربما احتالوا مجتهدين في احكامهم التعزيرية احتيالاً يظنون فيه الأجر والأجرين، ومن ثم يزيدون في العقوبة التعزيرية أكثر مما تستحق، فيحكمون بعدد من السنوات ومئات الجلدات، وذلك بعد ان يضعوا في اعتبارهم أن سنة السجن بتسعة أشهر، وأن المحكوم عليه ستسقط عنه نصف المدة متى حفظ القرآن الكريم، وان عفواً ملكياً قد يشمله، كما ان التمييز قد يرد الحكم على القاضي، ويطلب منه إعادة النظر فيه قبل ان يحال الى غيره، وحينئذ يحتاط بالزيادة المبالغ فيها؛ ليسوغ له التخفيف الى القدر الذي قدره اول الأمر، وهو قدر ربما شعر انه سيراجع فيه، فاحتاط له بدءاً. وتجدر الإشارة هنا الى التذكير ببشرية القضاة، وأنهم معرضون لما يتعرض له غيرهم في القديم على وجه العموم، وفي الوقت الراهن على وجه الخصوص، وذلك ان القضاء أصبح وظيفة مغرية مادياً واجتماعياً، وصار بعض طلاب الكليات الشرعية الذين يئسوا من الوظائف التعليمية يتنافسون عليه، وينتظرون لحظة ترشيحهم له على أحر من آهات المغبونين، وقد تتدخل فيه أمور أخرى كبعض الوظائف، في حين كان أكثر أسلافنا يتورعون عنه، ويجبرون عليه. بعد هذا ألا يحق لنا أن نعيد النظر في إشكالية الاجتهاد المطلق في زمن تغيرت أكثر أحواله كما تغير بعض قضاته؟! لنكن موضوعيين وواقعيين؛ لكي لا يشطح بنا وهم المثالية بعيداً على حساب شريعتنا ومصائر الآخرين. @ معالجة الاشكالية: حين يتجاوز أحد ما إشارة المرور الحمراء فهو يعلم أن رجل المرور متى رصده سيجازيه بغرامة مالية معلومة، وإيقاف محدد المدة، كما أن بإمكان أي أحد أن يطلع على اللوائح المرورية، ومعرفة الغرامات والجزاءات لكل مخالفة. بهذا المثال المبسط أسترعي انتباهكم - مسؤولين وغير مسؤولين - لتقرروا ما إذا كان من حق المخالف أن يعترض على العقوبة وقد ثبتت مخالفته؟ وما إذا كان ذلك المخالف يأمل أنه رصد من رجل مرور آخر ليقل مقدار عقوبته؟ هذا على مستوى النظام المروري، ولا أشك أن النظام القضائي أكثر تعقيداً من تقنين عقوبة تجاوز الإشارة، او إهمال ربط الحزام، ولكنني في الوقت نفسه لا أشك أبداً ان حاجتنا الى تقنين العقوبات التعزيرية ضرورة ملحة، ومطلب عادل خليق بأن تبرأ به ذمة القاضي، وان يقنع به الجاني، وان يحترمه الواقفون على الضفاف، ومن ثم يعرف كل من سولت له نفسه او تسول اقتراف ما يوجب التعزير جزاءه، وأنه لن يشمله - تحت مظلة الاجتهاد المترامية الأطراف والأبعاد - لين قاض، او شدة آخر. لقد آن الأوان مع تعدد القضايا التعزيرية وتعدد القضاة وتفاوت مستوياتهم ان يبادر المجلس الأعلى للقضاء الى تقنين العقوبات التعزيرية، وأن يندب له لجاناً دائمة من القضاة ذوي الكفاءة والخبرة. @ باحث قانوني