ظلت المكتبة العربية المعاصرة لاسيما في جزيرة العرب بحاجة لمن يجمع لها شتات الأخبار والروايات ويعمل على تدوينها وتوثيقها والتثبت من صدقيتها وصحة منقولها، ولذا فقد ظلت هذه المكتبات بما حوته من كتب التاريخ وعلوم السير والتراجم بحاجة لأقلام وروايات أولئك المؤرخين الذين ينقلون للقارئ والباحث ظروف الحياة السياسية والاجتماعية والحالة الاقتصادية لعدد من الأقاليم والمدن، التي غابت أخبارها وأحداثها عن الباحث لولا اجتهادات عدد من المؤرخين الذين -للأسف- ضاعت معظم كتبهم ومخطوطاتهم، والذين كان من بينهم أحمد بن محمد بن أحمد بن عبيدة الحضراوي، الذي ولد عام 1252ه، ونشأ في الإسكندرية بمصر، ثم سافر به أبوه إلى مكة وعمره سبع سنوات، ودرس علوم الحديث والفقه والتاريخ، وتتلمذ على عدد من المشايخ كالشيخ أحمد الدهان المكي، وحسين باشا أمير مكة، والشيخ محمد سعيد بن محمد الخليدي الشهير ببشارة، نشأ في الحجاز، كما أن لأسرة الحضراوي وجوداً في التاريخ المكي، خاصةً ما يتعلق بالنسخ سواء للكتب أو القرآن الكريم، بداية من الشيخ محمد بن أحمد الحضراوي حفيد المفتي الحنفي الشيخ عبده الحضراوي، والذي كان ينسخ الكتب العلمية ثم التزم بكتابة القرآن المجيد، في باب السلام. وكانت مؤلفات الحضراوي من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها مؤرخو الحجاز في مؤلفاتهم، واستطاع الباحث أن يقف أمام كمٍ هائلاً من المعلومات التي عاصرها الحضراوي ونقلها من باب المعايشة فكان أحد مصادر روايتها ولذا فقد منحتنا كتابته صورة حية لتاريخ المرحلة لاسيما التاريخ الاجتماعي في الحجاز في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري التاسع عشر الميلادي. طاف البلاد جاء في مقدمة كتاب نزهة الفكر، الذي ألفه الحضراوي، أنه طاف البلاد الإسلامية، وزار مصر، وتنقل بين مدنها وقراها، وخالط علماءها، كما زار دمشق مرتين، الأولى سنة 1282ه، واجتمع خلالها بشاكر خوجه الأزميرلي، والثانية سنة 1286ه، اجتمع خلالها بالأمير عبدالقادر الجزائري، وبالشيخ عبدالرزاق البيطار، كما زار الآستانة، واجتمع فيها بالعلماء، مثل أحمد فارس الشدياق، وذكر محمد المصري محقق الكتاب أن من العلماء الذين ذكر الحضراوي اجتماعه بهم الشيخ أحمد الدردير، والشيخ أحمد بن إبراهيم الفوّي، وأحمد سرور الزواوي، وأبو العلا عفيفي، ومفتي الحنابلة محمد الرقي، والشيخ إبراهيم السقا، وحسين باشا أمير مكة، والشيخ محمد الجمل، وعبد المجيد الشرنوبي، وغيرهم. ناشط اجتماعي عَدْت الدكتورة ابتسام بن محمد كشميري في رسالتها عن الحضراوي بجامعة الملك عبدالعزيز، "المؤرخ أحمد بن محمد الحضراوي ومنهجه في كتابة التاريخ"، والتي نشرت عام 1415ه، أكثر من (35) كتاباً له بين مفقود وموجود، في مجالات التاريخ والفقه والأدب وغيرها، وظل مشتغلاً بالعلم والتأليف حتى وفاته، وذكرت أنه آثر حياة الزهد والتقشف مكتفياً في تأمين معاشه بنسخ الكتب وبمكافآت لم تكن ثابتة ولا كافية، غير أنه عاش حياة اجتماعية نشطة فوصفه كل معارفه بحسن الخلق وحب العلم، وكان مما ساعد الحضراوي في كتابته للتاريخ صلات أسرته العملية والعائلية بالأشراف أمراء مكة التي قربته من الجهات الرسمية صانعة الأحداث في الحجاز كما سهلت له رحلاته واشتغاله بتدارس العلم الاختلاط بكافة فئات الناس في الحجاز وخارجه. مؤرخ وعالم وصف محقق كتاب "نزهة الفكر" محمد المصري، أحمد الحضراوي بأنه مؤرخ وعالم في الحديث والفقه، مصنِف ينظم الشعر أحياناً، ولا ديوان له، كما لا توجد مصادر كثيرة عن أسرته وأخبارها ورجالها، إلاّ أن الحضراوي نفسه ترجم لجده السابع، واسمه سعد بن مسعود الحضراوي، وذكر أن نسبه ينتهي إلى الشيخ أحمد الرفاعي الحسيني، كما ذكر إسماعيل باشا البغدادي أحمد الحضراوي في كتابه "هدية العارفين" الجزء الأول ص 195 مشيراً إلى بعض مؤلفاته. ويتكون كتاب "نزهة الفكر"، من خمسة أجزاء، ثلاثة منها في حوادث التاريخ، منذ بدء الخليقة إلى عصر المؤلف، وهو منهج العلماء المسلمين الأوائل في كتابتهم وسردهم لمجريات التاريخ أما الجزء الرابع والخامس فقد فرغه لتراجم الرجال، حيث ترجم لعلماء وأمراء، كان لهم ذكر في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، وهؤلاء الأعلام كما أوضح المحقق هم شيوخه وأصدقاؤه ومن عاصر من العلماء والفضلاء، أو سمع عنهم، ممن كانوا على علم بهم، فحديثه عنهم حديث الماهر، وجاء الكتاب في (372) صفحة ضمت (304) ترجمات، اعتمد فيها على مصادره من لقاءات واجتماعات حصلت بينه وبين أصحاب التراجم، والكتب والرسائل التي توفرت له، كما اعتمد على معارفه وتنقلاته التي لقي خلالها كثيراً من الأمراء والعلماء والأدباء، والأخبار التي التقطها جراء هذه الرحلات، والقصص التي كانت على ألسن الناس، وما زوده به أصحاب التراجم. تراجم الشعراء لاحظ الباحثون أن التراجم التي ضمنها الحضراوي كتاب "نزهة الفكر"، اتسمت بالثراء وحاولت أن تتقصى كل ما يتعلق بالمترجم له، فهو لا يكتفي بالنزر اليسير من المعلومات ويحاول قدر ما يستطيع التحقق من كل معلومة، وكان الحضراوي إذا ترجم لأحد الشعراء حرص على أن يورد بعض شعره، كما فعل مع ترجمة الشيخ عبدالله بن محمد الشبراوي، والذي سجل له (147) بيتًا من الشعر، ولاحظ المحقق أن الكتاب خالٍ من تراجم النساء، وقد يكون أفرد لهن قسماً خاصاً في نهاية الجزء الثاني، وممن ترجم لهم في الجزء الأخير من الكتاب محمد علي باشا ومرتضى الزبيدي ومحمد البنا ومحمد الطنطاوي ومحمد بن علي الطبري. ترجم الوقداني ويذكر أن ممن ترجم لهم أحمد الحضراوي، الشاعر بديوي الوقداني، الذي يعد نابغة من نوابغ الأدب الشعري وأحد مفاخره وأعلامه وأساطينه والذين تركوا تراثاً جيداً وقوياً من التراث الشعبي الممتاز، واستطاع بعبقريته أن يكون ذا شاعرية مؤثرة بل كان مدرسة في الأدب الشعبي، وشعره الفصيح لا بأس به، وفي كتابه "نزهة الفكر"، ذكر الحضراوي مقاطع فصحى من قصيدتين له، وكان الحضراوي -رحمه الله- أول مؤرخ عربي يترجم الوقداني -رحمه الله-، حيث قال عنه نزيل الطائف المأنوس ولد بوادي النمل وهو محل على فرسخ من الطائف سنة 1244ه وتربع به ثم سكن الطائف لتحصيل العلم والمعاش، وكان له قريحة بالعربية ثم نظم القريض ولقب بشاعر الحجاز انتهى كلام الحضراوي، وهذه شهادة قوية من الحضراوي للوقداني، ولم يأت هذا الثناء عن سماعٍ من أشخاص، بل لقاءات متكررة بالشاعر في الطائفومكة، وكان آخر لقاء جمع بينهما سنة 1287ه، فيما لم يتطرق الحضراوي إلى شعر الوقداني الشعبي، ومن القصائد التي أوردها الحضراوي للوقداني قصيدته الفصيحة التي كان مطلعها: سواجع الشوق باتت في أغانيها تتلو فنون الهوى والوجد يمليها ونقل الحضراوي عن الوقداني قصيدته في مدح الوزير محمد رشدي باشا، والتي استهلها بالغزل كما هي عادة الشعراء القدامى، قائلاً: أبرق لاح أم قمر منير ومسك فاح أم ند عبير سرت جناح الظلام فقلت بدرا يكاد بنوره الساري يسير اهتمامه بالأحداث اهتم الحضراوي في بعض كتاباته بأسباب الأحداث ولم يكتف بسردها إخبارياً فقط، كما عني بتحليل ونقد مصادره الكثيرة والمتنوعة، فكان أول من أعاد إلى الأذهان القول بقدوم مدينة جدة عن عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وذكر بعض الدارسين أنه وإن غاب عنه تفاوت أهمية المصادر في أحيان أخرى، خاصةً في الفترة السابقة لزمنه أو ما لم يشهده من أحداث عصره، إلاّ أنه كان مؤرخاً شمولياً يحرص على أن ينقل للباحث المعلومة من عدة مصادر ربما ليعرّف بمن تحدث عنها وأوردها، ومدحته الدكتورة ابتسام في دقة السرد فيما عايشه من الأحداث وأمانته في نقلها، وفيها تنحصر أهمية أعماله. كتبه ومصنفاته ذكر خير الدين الزركلي، في كتابه قاموس تراجم الأعلام الجزء الأول ص 249، أحمد الحضراوي المكي الهاشمي وقال إنه ألف عدداً من الكتب في علوم الشرع والأدب والتاريخ، منها كتب في تاريخ مدن الحجاز الرئيسية مكةالمكرمةوالمدينةالمنورةوجدةوالطائف، "العقد الثمين في فضائل البلد الأمين"، وطُبع بمكة سنة 1314ه / 1894م، "الرضا والقبول في فضائل المدينة وزيارة الرسول"، طُبع بمكة سنة 1314ه / 1894م، "الجواهر المعدة في فضائل جدة"، "فضائل مكةوالمدينة" و"اللطائف في تاريخ الطائف"، "المفاضلة بين جدةوالطائف"، و"سراج الأمة في تخريج أحاديث كشف الغمة، "تاج تواريخ البشر من ابتداء الدنيا إلى آخر القرن الثالث عشر"، "تاريخ الأعيان"، "نزهة الفكر فيما مضى من الحوادث والعبر من أوائل الموجودات إلى أواخر هذا القرن الثالث عشر"، "مختصر حسن الصفا"، فيمن تولوا إمارة الحج، و"بشرى الموحدين في معرفة أمور الدين". إنتاج شعري وورد ذكر الحضراوي في معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين أنه حيث ذُكر "له إنتاج شعري تمثل في قصائد وقطع، في أثناء كتابه "الرضا والقبول في فضائل المدينة وزيارة الرسول"، الذي طبع بمكةالمكرمة 1314ه/ 1896م، وله قصائد وقطع، في كتابه "العقد الثمين في فضائل البلد الأمين"، وله قصيدة في كتاب "المجموعة النبهانية في المدائح النبوية"، لمؤلفه: يوسف إسماعيل النبهاني -طبع بيروت 1320ه/ 1902م، كما وصفه المعجم بأنه "أحد شعراء المديح النبوي، يحرص على تقاليد هذا الفن، وزناً وقافية، كما يحرص عليه معنى وبناء واصطلاحاً، تسري فيه المعاني والتصورات الصوفية، وأدرج معجم البابطين قصائد للحضراوي منها قصيدته في فضائل زيارة المسجد النبوي الحرام وفضل السلام على رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: يا حادياً يحدو لخير الورى هيّجتَ في قلبي من الشوق نارْ سِرْ بي رعاكَ اللهُ مَعْ فتيةٍ ما ليَ عنهم منذ ساروا اصطبار ويقول في آخرها: المصطفى المختارِ خيرِ الورى وخيرِ من تُطوى إليه القفار وخيرِ من تأتي ملوكُ الورى لبابه بالذلّ والانكسار صلّى عليه اللهُ ما غرّدتْ حمامةُ الأيكِ وغنّى الهزار وقال في قصيدة "سوق جدة" عَرِّجْ على أرجاء جدّةَ يا فتى وانظرْ إلى السوق الجديد المثبتا طالعْ سعودَ اليُمن فوق بساطه يا حسنَه لمَّا رنا متلفِّتا وله في أسماء طيبة الطيبة: قد زدت أسماءً لها مُسترشِفا من سلسبيلٍ فاق عذب السكَّرِ تسعٌ لأسماءٍ حكيت لتُربها يا حبذا تُرْبٌ كنفح العنبر فأمينةٌ أمُّ الصفا مرويّةٌ مَتحوفةٌ مرزوقةٌ بالمِشعر وتهامةٌ ثم الحجاز وطيبةٌ هي بلدةٌ طابت لكل مُكبِّر منهجه البحثي لاشك أن سمة المؤرخ ظلت حاضرة في شخصية أحمد الحضراوي ولذا فقد رأت الدكتورة ابتسام كشميري في كتابها "المؤرخ أحمد بن محمد الحضراوي"، أن الخلفية الثقافية الإسلامية التي عرَّفته بأهمية التاريخ أعطته الكثير من إيجابيات شخصية المؤرخ المسلم كضرورة تحري الصدق، والأمانة، والدقة، والحرص على نقد الخبر على منهج النقد عند المحدثين، مع بعض سلبيات بعض المؤرخين المسلمين، مثل الأخذ بالخطوط العريضة لمنهج النقد في علم الحديث دون الحرص على تفاصيله في التاريخ، واتهمته الباحثة في بعض كتاباته بشيء من التحيز والبعد عن الموضوعية، واهتمامه بالبدع والخرافات والتي كانت انعكاساً للجمود الفكري في عصره، وقد كتب في التاريخ السياسي والتراجم وتاريخ الفضائل والمآثر وهي أهم موضوعات التاريخ الإسلامي، وعرض المعلومات التاريخية كتواريخ المدن والتاريخ العام الذي كانت تمتد فترته الزمنية من بدء الخليقة، حتى زمن تأليف الكتاب واتبع طريقة السرد التاريخي لا الطريقة الحولية كما كان عليه مؤرخو الإسلام الأوائل كمحمد بن جرير الطبري وابن كثير، في حين حمل أسلوبه نفس الخصائص لمؤلفات التاريخ الإسلامي من حيث سهولة الألفاظ ووضوح المعنى، إلاّ أن بعض كتاباته فيها مآخذ لغوية ونحوية نتجت عن حالة التدهور الثقافي التي شكلت ما يقرب من الظاهرة المألوفة في زمانه. ألف الحضراوي كتاب "جواهر المعدة في فضائل جدة" والذي حققه الدكتور علي عمر الأستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الإمام محمد بن سعود، وطبع عام 1423ه، وتناول الكتاب، وفق ما رأى المحقق الدكتور علي عمر، كل ما يتعلق بجدة ووصف الكتاب بأنه أوفى ما كتب عنها، مع احتوائه على أخبار لا تثبت أمام النقد، إلاّ أن للحضراوي بعض الآراء الجيدة والملاحظات الدقيقة. وفاته تميز المؤرخ الحضراوي بأنه غطى جانباً مهماً للباحثين حيث استطاع أن يصور ويؤرخ لما شهدته مدن الحجاز في زمانه وما سبقه بعدة عقود وسنوات كما امتاز بتاريخ المدن، حيث أرخ لمكةالمكرمةوالمدينةالمنورة ومدينتي الطائفوجدة، ولذا فقد نقل لنا الأحداث التي تعايش معها وشاهدها على الرغم من أن بعض مواقفه ساخطة على خصومه السياسيين، أما النواحي الاجتماعية فقد سردها منتصراً لما يراه ويعتقده وهو مع هذا مؤرخ أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته ربما لندرة المؤرخين في الحجاز آنذاك، وقد توفي بمكةالمكرمة سنة 1327ه، الموافقة لسنة 1909م وكان عمره آنذاك 75 سنة، ودفن بمقابر المعلاة، رحمه الله رحمةً واسعة. نشأ الحضراوي في الإسكندرية بمصر في بداية حياته مؤلفات الحضراوي من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها مؤرخو الحجاز تميز الحضراوي بشمولية البحث وأثرى المكتبات بمؤلفاته منصور العساف