بلغ عدد المعتقلين من أعضاء حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة" الذي يتزعمه أسامة بن لادن، في قاعدة خليج غوانتانامو في كوبا التي استأجرتها الولاياتالمتحدة منذ العام 1903، بحلول منتصف كانون الثاني يناير الماضي، أكثر من 140 شخصاً. ويتوقع أن ينقل الى هناك أكثر من 300 من السجناء الذين تحتجزهم القوات الاميركية في أفغانستان على متن سفن حربية، إضافة الى ستة متشددين يزعم انتماؤهم الى تنظيم "القاعدة" سلمتهم السلطات البوسنية الى الولاياتالمتحدة. وحدا ذلك بالسلطات الاميركية الى الشروع في بناء سجن يتسع لعدد من السجناء قد يصل الى ألفي شخص. وقال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد إن بعض أولئك السجناء قد يقدمون الى محاكم عسكرية أميركية خاصة يحظر على ممثلي أجهزة الاعلام والجمهور حضور جلساتها. ويتم في مثل هذه الحالات تعليق أحكام القوانين المعتاد تطبيقها في القضايا الجنائية كقواعد الاثبات والأدلة المقبولة وغير المقبولة. وعلى ذلك فمن الممكن أن تستخدم بينة سماعية ضد أحد المتهمين باعتبارها بينة مفضية الى تثبيت الجرم. كما أن من حق القاضي العسكري أن يحجب عن هيئة الدفاع عن المتهمين أي أدلة يعتقد بأن الكشف عنها يضر المصلحة الوطنية الاميركية. وأوضح رامسفيلد أن عدداً من سجناء غوانتانامو قد يحاكمون أمام محاكم مدنية أميركية. كما أن بعضهم قد تتقرر الإبقاء عليهم هناك حتى لو لم توجه إليهم أي اتهامات. وتشير الدلائل الى أن عدداً منهم قد تتقرر إعادتهم الى بلدانهم الأصلية بعد انتهاء العداوات الحالية بموجب معاهدة جنيف الرابعة. وأثارت تصريحات رامسفيلد في شأن ما سمي "عدالة المنتصر" احتجاح عدد كبير من المحامين المتخصصين في القانون الدستوري. وأبلغ عدد من المحامين من دول ينتمي اليها محتجزون في غوانتانامو وزارة الخارجية الاميركية احتجاجهم في شأن عدم السماح لهم بتمثيل معتقلين من الدول التي ينتمون اليها، ومنها بريطانيا ودول عربية. وتمسك رئيس الحكومة الانتقالية الأفغانية حامد كرازي بأن المعتقلين الأفغان من أعضاء حركة "طالبان" يجب أن يحاكموا أمام القضاء الأفغاني فحسب. وقد نقل كرازي قلقه في هذا الشأن الى وفد من مجلس الشيوخ الاميركي زار أفغانستان أخيراً. وكان مثيراً أن بين أعضاء ذلك الوفد المرشح الرئاسي السابق جون ماكين الذي بقي أسيراً في فيتنام نحو ثماني سنوات. غير أن السلطات الأميركية تتمسك، من جانبها، بأن جميع المعتقلين الأفغان سلموا الى الولاياتالمتحدة "طوعاً". وأبرز هؤلاء الجنرال فاضل مظلوم رئيس هيئة الاركان في قوات حركة "طالبان"، والمولى عبدالسلام ضعيف سفير "طالبان" السابق لدى باكستان الذي لا يزال محتجزاً على متن سفينة حربية أميركية في الخليج. الا ان المشكلة هي أن رامسفيلد يتمسك بأن بلاده لا تعتبر هؤلاء السجناء "أسرى حرب" حسب تعريف معاهدة جنيف الرابعة، لأنهم لم يكونوا يرتدون زياً عسكرياً يحمل شارات الرتب العسكرية والارقام المسلسلة حسب العرف العسكري السائد. وقال الوزير الاميركي ان كثيرين منهم ادعوا لأنفسهم أسماء مستعارة، وزعموا أنهم لا يعرفون تاريخ ميلادهم. ولذلك رأى رامسفيلد أن خير وصف ينطبق على حالتهم أن يوصفوا بأنهم "مقاتلون خارجون عن القانون"، وهو مصطلح أجمع ممثلو جمعيات الدفاع عن حقوق الانسان على عدم وجوده في مراجع القانون الدولي ومصادره المختلفة. واكتفى رامسفيلد، في رده على الانتقادات التي وجهت الى المعاملة التي يلقاها السجناء المحتجزون في أقفاص في غوانتانامو، بالقول إنهم يلقون معاملة أفضل من معاملة "طالبان" لمعتقليها! وهو ما أثار حفيظة صحيفة "واشنطن بوست" - التي تساند عادة خطوات البيت الابيض - فكتبت، في احدى افتتاحياتها، تقول الا يكون المرء أسوأ من "طالبان" ليس هو السبب الذي من أجله ذهبت أميركا لتخوض حرباً في أفغانستان. غير ان فيكتوريا كلارك المتحدثة باسم وزارة الدفاع البنتاغون تقول ان معتقلي غوانتانامو يتلقون معاملة انسانية للغاية وان الولاياتالمتحدة تراعي احكام معاهدة جنيف، الامر الذي حدا ببعض المحللين الى القول ان ذلك ينطوي على احتمال الاعتراف بهم في نهاية المطاف كأسرى حرب، كما ان معظم الاسرى من حركة "طالبان" قد يُعادون الى افغانستان. لكن بعض الصحف الاميركية اشارت الى ان اعادة الاجانب من مقاتلي "القاعدة" وحركة "طالبان" الى بلدانهم الاصلية تحمل معها مخاطر تعرضهم للتعذيب الذي تحرّمه معاهدة جنيف والمعاهدات الدولية الاخرى. يذكر ان معتقلين غوانتانامو يُحتجزون في اقفاص يقلّ طول الواحد منها عن ثلاثة امتار وعرضه اقل من مترين، وهي من الحديد المقوّى وقاعدتها من الخرسانة المسلحة. وتم تزويد كل معتقل بمنشفتين واحدة للنوم والاخرى للصلاة اضافة الى نسخة من المصحف وثلاث وجبات في اليوم وغرفة للاستحمام وفترة لممارسة الرياضة. ويكفي ارتفاع سقف القفص لوقوف السجين داخله من دون مضايقة، لكن جامي فيلنر مدير شؤون اميركا الشمالية في منظمة "هيومن رايتس ووتش" الاميركية يقول ان تلك المواصفات لا تتسق مع المتطلبات الدولية المعروفة. وفي اميركا ومعظم بلدان اوروبا لا تجد الاقفاص المكشوفة قبولاً حتى لو كان استخدامها سيتم لايواء الحيوانات الضالّة. كما اعترضت منظمات حقوق الانسان على تقييد الاسرى اثناء نقلهم جواً الى غوانتانامو وهو ما تحرّمه معاهدة ترعاها الاممالمتحدة. وثمّة احتجاجات اخرى على حلق لحية بعض السجناء الى جانب شعر الرأس، لكن الولاياتالمتحدة قالت ان ذلك كان اجراء مطلوباً لمراعاة دواعي الصحة والنظافة، مدّعية ان كثيراً من السجناء كان مصاباً بالقمل والاوساخ، وكان احد السجناء يصرخ من الألم عند نقله الى القاعدة العسكرية الاميركية في كوبا نتيجة اصابته بجرحٍ في الذراع اثناء القتال في افغانستان. وأصرّت منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للصليب الحمر ومنظمات انسانية اخرى على ان من الضروري ان تبادر الولاياتالمتحدة الى اعتبار السجناء اسرى حرب. وقالت منظمة العفو الدولية انه لا يحق لوزير الدفاع الاميركي ولا لأي مسؤول آخر في الادارة الاميركية ان يحدّد ما اذا كان المحتجزون في غوانتانامو اسرى حرب ام لا. وخلصت الى ان تلك مهمة ينبغي ان تقوم بها المحاكم الاميركية. والواقع، من منظور قانوني محض، ان ثمة فرقاً بين حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة". كما ان ثمة فرقاً بين الافغان و"الافغان العرب" الذين قُبض عليهم في افغانستان. وقد اوضح كارازي بجلاء ان زعيم "طالبان" الملا محمد عمر يجب ان يمثل امام محكمة افغانية اذا ما تم القبض عليه. ويرى ديبلوماسيون اوروبيون في واشنطن ان المدعي العام الاميركي جون اشكروفت يسعى الى الحيلولة دون استفادة السجناء من الحماية القانونية وذلك لغرض تدمير معنوياتهم وارغامهم على الافشاء بما في صدورهم من معلومات، خصوصاً اسرار تنظيم "القاعدة" وبرنامجها الخاص بعمليات العنف. ولكن هل صحيح ان اسرى "طالبان" و"القاعدة" في قاعدة خليج غوانتانامو لا يزالون خطيرين على الامن الاميركي؟ يبدو ان ما أرعب الاميركيين اكثر من اي شيء آخر تلك الحادثة التي وقعت في باكستان حين تمكن اسرى من تنظيم "القاعدة" من التغلّب على حراسهم من الجنود الباكستانيين وقتلوا منهم عدداً كبيراً على الحدود بين افغانستانوباكستان. وتقول المتحدثة باسم البنتاغون فيكتوريا كلارك: "هؤلاء الاشخاص خطيرون للغاية". وقال ضابط برتبة كولونيل في البنتاغون متخصّص في مكافحة الارهاب: "ان خطورتهم تتدنى حين يصبحون اكثر ضعفاً وأشد يأساً. انها الفظاعة التي اعتادوا عليها حيث كانوا يقيمون، لكن في الوقت الراهن وبما انهم لا يجدون اسواراً تقيهم فإنهم لن يتمكنوا من ممارسة اي عمل خطير. من الواضح ان رامسفيلد يريد ان يحطم ما بقي لديهم من ارادة". لكن هل يكفي ذلك للقضاء نهائياً على "القاعدة"؟ تشدد التصريحات الصادرة عن الادارة الاميركية منذ احداث 11 ايلول سبتمبر على ان ذلك الهدف يمكن ان يتحقق من خلال معركة طويلة. ويقول وزير الخارجية كولن باول الذي يُعدّ أبرز المعتدلين في الادارة ان المشكلة لن تُحلّ الا اذا حُلّت مشكلة الفقراء والاغنياء في العالم. اذن هل يمكن لعمليات الاستجواب التي تتم حالياً في غوانتانامو ان تساعد اميركا في الحصول على معلومات تدلها الى مكان وجود اسامة بن لادن؟ يقول الكولونيل الاميركي الذي تحدث الى "الوسط": "اعتقد بأننا لا نعرف مكانه الآن، لكن عملاء وكالة الاستخبارات المركزية يعتقدون بأنه موجود في كشمير". كذلك من القضايا التي يثيرها وجود المعتقلين في غوانتانامو مسألة ما اذا كان سيُسمح لهم بالحصول على حماية قانونية من خلال محامين يتولون الدفاع عنهم. ومن المؤكد ان الولاياتالمتحدة لن تعترض على ذلك، خصوصاً ان التقاليد تُلزم الادارة الاميركية بعدم توجيه اي تهمة جنائية الى من يتقدم للدفاع عنهم. وبالطبع فإن اتعاب اولئك المحامين سيتحملها دافع الضرائب الاميركي! وتثير احتمالات محاكمة اسرى "طالبان" و"القاعدة" اسئلة اخرى مهمة، منها: اذا دين هؤلاء السجناء من قِبل محاكم عسكرية اميركية هل ستصدر عليهم احكام بالسجن ام ان اعدامهم سيتم بالحقن السامة في كوبا نفسها؟ ليست ثمة اجابة واضحة عن اسئلة من هذا القبيل، ولكن دولاً اخرى منها بريطانيا والاتحاد الاوروبي ستعترض على اعدام الاسرى خصوصاً ان بينهم مواطنين اوروبيين. ويذكر ان دول الاتحاد الاوروبي تحظر تنفيذ عقوبة الاعدام. وابلغ النائب العام الاميركي السابق رامزي كلارك "الوسط" بأن الادارة الاميركية لن تقبل الادعاء بأن القتال الذي كان يدور بين مقاتلي "طالبان" وقوات "تحالف الشمال" الافغاني يمثّل حرباً اهلية، وهي لذلك تريد ان تضفي على القتال في افغانستان مظهر النزاع الدولي حسب ما تقضي بذلك القوانين المتعلقة باعلان الحرب. وفي ما يتعلق بالمواطن الاميركي جون ووكر ليند، وهو شاب من ولاية كاليفورنيا اعتنق الاسلام وانتقل الى اليمن وباكستان لتعلّم اللغة العربية والقرآن الكريم وانتهى به المطاف مقاتلاً في صفوف "طالبان"، فهو لا يزال مسجوناً على متن بارجة اميركية لكنه سيُنقل الى الولاياتالمتحدة ليواجه اتهامات امام القضاء الاميركي. بأي تهم؟ يعتقد وزير الدفاع الاميركي انه على رغم ان ليند البالغ من العمر 20 عاماً، وهو ما يكفل له حق الادلاء بصوته ومحاكمته بتهمة الخيانة العظمى، وان كان القانون الاميركي يحظر عليه التدخين وتناول المشروبات الروحية، لا ينبغي ان يُحاكم بتهمة الخيانة، ولكن يمكن ان توجه اليه تهمة التآمر لقتل مواطنين اميركيين وتقديم الدعم للارهاب الدولي. ويشير كلارك الى ان الخيانة هي الجريمة الوحيدة التي يرد تعريفها في الدستور الاميركي ويُشترط وجود شاهدين على الاقل على ارتكاب تلك الجريمة. ويقول كلارك: "لم تتدخل الولاياتالمتحدة في القتال في افغانستان الا بعد وقوع احداث 11 ايلول، بينما اضحى ليند مجاهداً مستعداً للشهادة في تموز يوليو 2001". وتقول عميلة مكتب التحقيقات الفيديرالي آن آشبوري التي استجوبت ليند في زنزانته على متن السفينة التي تجوب بحر العرب في 9 و10 كانون الاول ديسمبر انه ابلغها بأنه رفض المشاركة في اي عمليات ارهابية ضد الاميركيين وضد اي دولة اخرى، وقال انه كان يريد ان يصبح مجاهداً بسيطاً في افغانستان. وشبّه كلارك وضع ليند بوضع الاميركيين الذين توجهوا جماعات الى اسبانيا قبل 70 عاماً ليشاركوا في الحرب الاهلية الاسبانية ولم تُوجّه اليهم في نهاية المطاف اي اتهامات جنائية. وتقول آشبوري ان ليند أُبلغ بأنه يملك حق البقاء صامتاً او التحدث فحسب في وجود محاميه، غير انه مع ذلك وافق على الاجابة عن اسئلتها. وبات في حكم المؤكد ان المحامي الاميركي البارز جيمس بروسنان الذي كلّفه فرانك ليند، والد الشاب الاميركي، الدفاع عنه سيطلب من القاضي استبعاد اي اقوال ادلى بها ليند في غيابه. ويذكر ان ليند ممنوع حتى الآن من الاتصال بمحاميه، بل بوالديه. ويقول كلارك ان آشكروفت سيكون اكثر حكمة اذا قرر عدم ملاحقة ليند بتهمة الخيانة. اذ ان آخر اميركي وُجّهت اليه هذه التهمة هي ايفا داكينو في سان فرانسيسكو العام 1949. وهي اميركية يابانية الاصل ولدت في كاليفورنيا وذهبت الى طوكيو لزيارة عمّتها التي كانت تحتضر خلال الاشهر التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية. ولما كانت لا تجيد اللغة اليابانية فقد اضطرت الى العمل مهندسة للصوت في القسم الانكليزي التابع لاذاعة طوكيو. ومع ان 27 اميركياً من اصل ياباني وفيليبيني وافقوا على حمل الجنسية اليابانية الا ان داكينو رفضت التخلي عن جنسيتها الاميركية ولذلك وُجّهت اليها تهمة الخيانة. ومن المسائل الاخرى المتعلقة بمستقبل اسرى غوانتانامو تحديد مكان محاكمتهم في الولاياتالمتحدة. والمعروف ان آشكروفت أمر بمحاكمة زكريا موسوي الفرنسي المغربي الاصل المتهم بالتواطؤ في احداث ايلول في مدينة الاسكندرية الواقعة في ضواحي واشنطن بما في ذلك مبنى البنتاغون الذي استهدفته هجمات ايلول. ويتوقع ان يتمسك محامي جون ليند بضرورة محاكمة موكله في مكان يمكن ان يُختار منه محلّفون اقل انحيازاً ضد المتهم. ويذكر ان الاميركيين أتيحت لهم فرصة مشاهدة ليند بعد أسره، وكان عميل وكالة الاستخبارات المركزية مايكل سبان يشدّه من شعر رأسه. ولا يُعرف هل سيسمح القاضي بقبول تلك اللقطات ضمن الادلة الجنائية. ولكن من المؤكد ان غالبية المحلفين شاهدوا ذلك الشريط المرئي في منازلهم مما يزيد احتمالات تحاملهم على المتهم. ويقول ستيفان ايفز وهو محامٍ مرموق سبق ان قاتل في صفوف القوات الاميركية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية: "ان من ينادون بتشكيل محاكم عسكرية يجب ان يتذكروا مصير الجنرال تومو يوكي ياماشيتا قائد القوات اليابانية في الفيليبين الذي تم اعدامه العام 1946 بعد محاكمة اثارت السخرية لعدم عدالتها. ان تلك القضية لا تثبت ان جميع المحاكم العسكرية عادلة لكنها تدلّ على امكان وقوعها فريسة للتحامل خصوصاً في اعقاب انتهاء الحرب حين يكون المنتصرون متلهفين للانتقام واختيار كبش الفداء بأسهل ما يمكنهم"