في الفترة التي عملت فيها بعكا 1925 - 1935 نشأت بيني والكثيرين من شباب البلدة صداقة، لأنني كنت أنا شاباً بعد في أوائل العشرين من سني. كنا نتبادل الآراء والقضايا ونعرض للمشكلات الشبابية. وقد اتضح لي أن شبان الطائفة الارثوذكسية بخاصة يشعرون بالضياع الاجتماعي، فلا الكنيسة ترعى هذه الشؤون، بل لعلها، وهي كنيسة يونانية غربية، كانت تتعمد إهمال هذه الأمور. تبين لنا بعد أحاديث طويلة انه من الضروري ان يكون لنا ناد ارثوذكسي بعكا، على نحو الناديين الارثوذكسيين في يافا وحيفا. لم يكن ثمة اتفاق بمعنى البحث في الموضوع وتقرير الخطوات، بل دلت الأحاديث المختلفة على انني يجب أن أتعهد القضية، فأنا صلتي أيضاً بالشباب الذين يكبرونني سناً عشر سنوات أو أكثر قوية. وهكذا بدأ الحديث مع واحد واثنين وثلاثة وأربعة الخ. وكان ما توصلنا اليه هو ضرورة انشاء هذا النادي. نرتب ونجمع التبرعات من أبناء الطائفة، ونفتح النادي. كانت الخطوة العملية الأولى عقد اجتماع لنرى مدى التجاوب معنا. وهذا الاجتماع يكون مخصصاً لاتخاذ قرار عملي للقيام بالمشروع. تم الاجتماع في أوائل كانون الأول ديسمبر 1929. حضره تسعون شخصاً. هذا كان بحد ذاته مشجعاً. عرضت القضية، فكانت موافقة تامة. وانتخبت يومها اللجنة التأسيسية من عشرة أشخاص. أقول بشيء من الزهو الذي خالجني يومها انني حصلت على 89 صوتاً. تقرر ان يكون العشرة الأوائل هم أعضاء اللجنة التأسيسية. فرز هؤلاء وانتخب الأستاذ جبرائيل خوري رئيساً وعهد إلي بالسكرتارية: أضيف الينا ثمانية هم أصحاب أكثرية الأصوات بعدنا. أذكر منهم ستة فقط وهم الأستاذان ناصر عيسى ويوسف خليل من المدرسة الثانوية ثم مع حفظ الألقاب منسى صيقلي وتوما خمار وميشيل خمار وجميل حبيبي. بدأنا بالاجتماعات لوضع القانون الأساسي، وقد اكتشفت انني أنا الوحيد الذي كان يعرف قوانين روبرت، وهي التي كانت بموجبها تعقد الجلسات وينظر في القضايا التأسيسية فقد وقع علي عبء كبير من المناقشات. وبعد جلسات متتابعة، قبل أن يخبو عزم الجماعة، وضعنا القانون الأساسي، وعرضناه على الجمعية العمومية فأقرته وأقرتنا في عضوية اللجنة الادارية على نحو ما كنا في التأسيسية. بدأنا حملة جمع التبرعات هذه لم أشترك أنا بها كان هناك تبرعات لكن زعيمي الأسرتين كان تبرعهما دون ما أمّلنا، وتبع ذلك ان الذي وصل الى أيدينا دون ما أمّلنا. إلا انه كان كافياً للبدء. وتوالت الاشتراكات بعد ذلك. استأجرنا شقة في الطابق الثاني لمبنى في الفاخورة، مشرف على البحر. كان النادي يقدم الشاي والقهوة والشرابات الباردة صيفاً. كانت فيه غرفة للعب الورق والطاولة، وغرفة للصحف والمطالعة، وقاعة كبيرة يستعملها الأعضاء. فإذا حصلنا على محاضر قلبناها الى قاعة محاضرات. كان النادي الارثوذكسي النادي الذي رغب فيه القوم، وحل لهم مشكلة اجتماعية، إذ ان كثيرين لم يكونوا من رواد المقهى العادي - قهوة وشاي و"نارة يا ولد". بدأنا المحاضرات. كنا نحن التجربة الأولى. سلسلة تناولت موضوعات متفرعة من بحوث حول الحضارة العربية شارك فيها من أساتذة المدرسة ناصر عيسى عن الناحية الأدبية وبخاصة الشعر وعلي شعث حول النواحي العلمية وأنا توليت عرض القضية تاريخياً. وفي إحدى الأمسيات أقنعنا أنيس صيداوي مدير المدرسة الثانوية بأن يحدثنا عن أيامه في العراق 1921 - 1925. ثم دعونا بعض أدباء حيفا. وتبادلنا الزيارات مع نادي حيفا. كان معلمو المدرستين الثانوية والابتدائية قد قاموا سنة 1926 بتمثيل رواية "لولا المحامي" لسعيد تقي الدين. وكان زمبرك الحركة محمد الأمين من المدرسة الابتدائية. أذكر اننا مثلنا "الابناء والبنون" ميخائيل نعيمة وبارشاد وادارة محمد الأمين. لكن لست متأكداً فيما اذا كان النادي الذي احتضن أم لا! ولو ان ذاكرتي تقول نعم!!!. استقلت أنا من سكرتيرية النادي وتولاها ميشيل خمار الى ان حان وقت الانتخابات. لكنني لم أتخل عن النادي. أود أن أشير الى أمسية خطابية كان ضيفنا فيها خليل السكاكيني. موضوع الحديث "ما تيسّر" عنوان دائم وموضوعات مختلفة. يومها قدمت أنا السكاكيني وقلت باختصار ان خليل السكاكيني مربٍ وعالم في اللغة وأديب كبير. لكن فيه ميزة التواضع، لذلك سينفي الذي قلته عنه. لما بدأ الحديث قال نقولا زيادة كذب عليكم إذ وصفني بالتواضع، الحقيقة انه لم يفني حقي بالمديح! وكانت محاضرة وأمسية بعدها في غاية الروعة. تعرض النادي للخلافات بين العائلات النزّاعة للتزعم، وحاولت أسرة السيطرة عليه، فتخلخلت أموره. انتهى الأمر بأن أصبح في عكا ناديان ارثوذكسيان، واحد تشرف عليه أسرة نافذة. والثاني للشباب الذين ظلوا مستقلين. لكن الانقسام أضعف الفرعين. كانا لا يزالان قائمين لما تركت عكا سنة 1935، لكنهما كانا ظلاً لما بدأنا به. وهكذا تدخل الزعامة الفارغة، المؤسسة الناجحة لتستغلّها، فتقتلها. وليس النادي الارثوذكسي بعكا المثل الوحيد في فلسطين وسواها.