1 نشرت صحف عربية بالاشتراك مع "دار المدى" في الشهر الماضي "مذكرات هدى شعراوي" على انه الهدية المجانية للقراء. وقد سررت أنا شخصياً بذلك، لأنني تابعت في شبابي سيرة هدى شعراوي وجهادها وصاحباتها في سبيل المرأة. لذلك أقبلت على الكتاب أقرأه ولم أتركه إلا لما فرغت منه. ولفتتني مقابلة جرت بين هدى شعراوي وسعد زغلول ولم يُذكر لها تاريخ، تجدها في الصفحات 279 - 284. كان الاجتماع عاصفاً، لكن لم يؤد الى نتيجة معينة. لما قرأت هذه المقابلة تذكرت أمراً حدث لي في القاهرة سنة 1933: كنت نويت أن أقضي عطلتنا المدرسية وأنا كنت أدرس في المدرسة الثانوية بعكا 1925 - 1935 في القاهرة. ولما بلغ صديقين لي الخبر، طلبا أن ينضما إلي. وقبلت مسروراً لأن الصحبة تجعل الرحلة أحسن وقد تكون حتى أفيَد. كان لنا في القاهرة صديقان من أهل عكا: محمد رفيق اللبابيدي، الذي كان طالباً في دار العلوم، وأكرم الخالدي الذي ذهب ليدرس الصحافة، وكان يعمل في الصحف لتحصيل قوت يومه. 2 وصلنا القاهرة نحو الساعة العاشرة مساء في القطار الذي حملنا من حيفا عبر الساحل الفلسطيني وسيناء الى القنطرة على ترعة السويس، ثم بدّلنا القطار من هناك الى القاهرة. استقبلنا الصديقان على المحطة، ورافقانا الى الفندق الذي حجزا لنا فيه مكاناً للإقامة. في اليوم التالي بدأنا بزيارة معالم القاهرة الأثرية التي كان الجميع يزورونها. لكن أنا كانت لي رغبة في تنويع الزيارة. وكان من معالم زيارة القاهرة يومها دار العروبة لصاحب المقام العلمي الكبير أحمد زكي باشا. وكنت أنا أحمل له كتاباً من صديقه عبدالله مخلص الذي ألح عليّ بالزيارة. ذهبنا نحن الثلاثة. استقبلنا الرجل استقبال الشيخ العربي العالم الكريم. وبحسب الأصول دعانا الى العشاء، ولما حان الموعد رغب الصديقان في التغيب، فذهبت وحدي. وكانت ليلة علم وأنس وضيافة لا يمكن أن تنسى. وكنا يوماً نجلس نحن الخمسة في مقهى، فدار الحديث حول السياسة والدور الذي قام به الوفد أيام سعد زغلول وأيام النحاس، والتفت أكرم إلينا وقال: "هل تحبون زيارة مكرم عبيد؟" وهو كما قد يعرف بعض قراء "الحياة" واحد من أعمدة الوفد. فسارعت أنا الى القبول، ولم يخذلني الصديقان. وأحسست يومها انني سأعود الى عكا، ويكون بين ما اعتز به في هذه الزيارة ان يستقبلني مكرم عبيد! 3 وصلنا المنزل، واستقبلنا الرجل بما عرف عنه من اللطف والأنس "مرحباً بإخوانه الشوام". وكان هو أول المتكلمين فقال لنا انه قبل سنتين قرر، كزعيم سياسي مصري، أن يزور بلاد الشام. "وكان الأمر الذي حيرني" قال مكرم عبيد هو "ما الذي يمكن أن أقوله لإخواننا في الشام، وعن أي شيء أحدثهم. لا شك في انهم ليس لهم خبرة بالسياسة والزعامة السياسية. يلا على كل سألقي كلمتين ألقيهما كيف ما كان الحال". "كانت المحطة الأولى لي القدس. وكم تبدل رأيي من اليوم الأول، إذ وجدتني لا أعرف ماذا أقول للناس لأنهم يتكلمون لغة السياسة التي يعرفها سياسيو مصر. لا أكتمكم انني بدأت أتعلم من هناك". ثم حدثنا بالتفصيل عن مقابلاته الزعماء السياسيين في لبنان وسورية، واختتم كلامه بالقول: "نحن نجهل أحوال إخواننا العرب. يجب أن تكون صلاتنا أقوى!". كان هتلر نشر كتابه "كفاحي" الذي يحتوي على برنامج مفصل لأهداف حزبه والغايات التي ينوي التوصل اليها بالنسبة الى ألمانيا، والسبل الآيلة الى ذلك. وكنت أنا أعجبت بالموضوع من حيث أن حزباً سياسياً يوضح مؤسسه الغايات والأساليب. وكنت أتألم من أن الأحزاب السياسية في فلسطين وسورية ولبنان مثلاً لم يكن لها برنامج واضح للعمل سوى الاحتجاج والتظاهرات والإضرابات. لذلك التفت الى مكرم عبيد وسألته: "يا سيدي، هل لحزب الوفد برنامج عمل مفصل لما يريد لمصر بعد الاستقلال؟". نظر إليّ مستغرباً السؤال، فأضفت أقول: "إننا نعرف أن الأحزاب السياسية في أوروبا لها برامج محددة، إضافة الى أهداف معينة. وهذا هتلر نشر برنامج حزبه والسبل التي يجب أن تتبع لتحقيق الغايات الموضحة". فقال مكرم عبيد: "المهم أن نحصل على الاستقلال ثم يأتي دور البرمجة والعمل، فتحقيق ذلك أمر يسير عندها!". صمت ولم أقل شيئاً، لكن تأسفت على الأوضاع التي غرقنا فيها. فكلنا كنا ننادي ونصرخ ونتظاهر ونقول: "الاستقلال التام أو الموت الزؤام". ولما استقلت بعض الأقطار العربية وجدت نفسها تتخبط في ما يجب أن يُصنع. وما أكثر ما ضاع من الجهد والمال، لأننا لم نكن اعتدنا "برمجة" العمل السياسي. 4 تذكرت هذه الزيارة والمقابلة، وهذا القول الذي بدا لي فيه استخفاف بالأمور، لما قرأت في الصفحة 283 من مذكرات هدى شعراوي جزءاً من المقابلة التي جرت بينها وبين سعد زغلول. فقد ورد فيها: قلت، والكلام لهدى شعراوي، لسعد: "كيف ينضمون للوفد ]خصومه السياسيون مثل عدلي يكن وعبدالخالق ثروت[ وليس للوفد برنامج وهم لهم برنامجهم؟". فقال: "كيف؟ لنا برنامج". قلت: "وأين برنامجكم؟". قال: "ألا تعرفين ان برنامجنا هو الوصول الى الاستقلال التام لمصر والسودان؟". قلت: "هذه غاية الجميع وهم وضعوا لتحقيقها برنامجاً يوضح طريق الوصول الى ذلك الاستقلال!". وهكذا، بعد ما يزيد عن ربع قرن على بدء الحركة الوطنية الاستقلالية في مصر، وبعد أن تولى حزب الوفد الزعامة المطلقة نحو عشرين عاماً منها، كان الوفد لا يزال من دون برنامج عمل معين. لذلك كان يتخبط في تصرفه. كما تخبط غيره من زعماء تلك الأيام. لكن الله رحم مصر لما قامت بها ثورة العسكر وتولى عبدالناصر وجماعته الأمور، وكان أن وضعوا أمام أعينهم أهدافاً معينة، ورسموا السبيل الى تحقيقها.