المعركة السياسية الدائرة بين حزب "شاس" ورئيس الوزراء ايهود باراك، بدأت معركة إسرائيلية داخلية حول قضايا التعليم، وحول شبكة مدارس حزب "شاس" الدينية، ثم تطورت لتشمل اذاعات حزب "شاس" الخاص. حزب "شاس" يريد من الحكومة تمويلاً لمدارسه واذاعاته، ويريد بشكل خاص ان لا تكون هذه المدارس خاضعة لاشراف وزير التربية والتعليم يوسي ساريد، وهو الرجل العلماني، والذي يصر على اشراف وزارته على هذه المدارس، ويرفض مبدأ تمويلها من قبل الدولة. وبسبب هذا الخلاف، تقدم حزب "شاس" بمشروع قرار "مشاغب" لحل الكنيست الإسرائيلية واجراء انتخابات جديدة، ونجح الاقتراع في القراءة الأولى، وبقيت أمامه ثلاث قراءات، ثم صعّد حزب "شاس" من معركته، وهدد باستقالة وزرائه السبعة وبالخروج من الائتلاف الحكومي، وما يعنيه ذلك من سحب تأييد نوابه ال17 لأي حكومة جديدة يشكلها باراك. ومع الوقت بدأ باراك يلين أمام حزب "شاس"، ودخل في مفاوضات معه لتمويل مدارسه، ويقال إنه وافق أيضاً على حجب اشراف وزارة يوسي ساريد على مراقبة تلك المدارس. ومن هنا قامت قيامة يوسي ساريد، وهدد هو أيضاً بالانسحاب من حكومة باراك إذا خضع باراك لابتزاز حزب "شاس"، وتعقدت الأزمة. وآخر فصول هذا الخلاف الإسرائيلي الداخلي، مبادرة وزراء "شاس" السبعة إلى تقديم استقالتهم. وحسب القانون الإسرائيلي، فإن باراك يملك مدة 48 ساعة للتفاهم مع "شاس" ومع الوزراء المستقيلين، وإلا فإن حكومة باراك تفقد غالبيتها وتصبح في حكم الساقطة برلمانياً. الأزمة إذاً داخلية، وتدور حول التعليم الديني وتمويله من قبل الدولة، وحول استقلاليته عن اشراف الدولة، وهي إسرائيلية قديمة، واجهتها جميع الحكومات الإسرائيلية، وخضعت كل تلك الحكومات لابتزازات الأحزاب الدينية، وحصلت دائماً على ما تريد، وكانت تقدم مقابل ذلك تأييدها للحكومات الإسرائيلية في القضايا السياسية التي تهمها. ولكن الآية انقلبت في إسرائيل. وحدث الانقلاب بشكل خاص في اليومين الماضيين فقط، إذ بدأنا نسمع نغمة إعلامية تقول، وخلافاً لكل وقائع الأسابيع الماضية، ان وزراء حزب "شاس" يريدون الاستقالة لسبب سياسي، يتعلق بمعارضتهم لتوجه باراك نحو التنازل عن أرض جديدة للفلسطينيين. أولاً: لم يحدث ان باراك أعلن رسمياً أنه سيتنازل عن أرض جديدة للفلسطينيين. ثانياً: لماذا تغيب كل تفاصيل الخلاف حول التعليم والاذاعات، وحول اشراف وزارة التعليم على المدارس الدينية، وتهديدات حزب "شاس" للوزير ساريد بالعزل الديني وربما القتل، لماذا يغيب كل ذلك فجأة، ويبرز فقط أن الخلاف سياسي ويتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين؟ هل هي لعبة سياسية من ألاعيب باراك التي أصبحت مكررة ومملة؟ الأرجح أنها كذلك، والأرجح أنها أصبحت لعبة منسقة بين باراك وحزب "شاس"، وهي لعبة يتم بيع نتائجها إلى طرفين: إلى الولاياتالمتحدة لاقناعها بأن إسرائيل لا تستطيع ان تتراجع وإلا فإن الحكومة ستسقط، وما عليها إلا أن تواصل الضغط على الفلسطينيين ليتراجعوا، ويتم بيع النتائج أيضاً إلى السلطة الفلسطينية، فيقال لها ان تراعي أوضاع باراك الداخلية وإلا فإن التسوية ستسير نحو طريق مسدود. إن لعبة باراك هذه، تنم عن زعيم سياسي من الدرجة الرابعة. زعيم سياسي عاجز عن فهم معنى تسوية تتعلق بالحل النهائي للقضية الفلسطينية. زعيم سياسي يفكر بعقلية مدقق الحسابات بينما هو يقدم نفسه على أنه نابليون الجديد. لقد كانت لنابليون صفات متعددة، وواحدة منها فقط أنه كان قصير القامة، ويبدو ان باراك قد ضيع كل صفات نابليون ولم يحتفظ منها إلا بقصر القامة، وهي صفة لا تؤهل أحداً لأن يصبح، لا سياسياً ولا جنرالاً