مفجع هو حال العراقيين اليوم. فعلى صدورهم تجثم وطأة حربين مدمرتين، وكابوس نظام مخيف في قسوته، وآثار خسائر انسانية غالية. وإذا لم تكن هذه البلايا كافية، أضيف اليها سلاح الحصار الذي سلبهم النزر اليسير الذي تبقى لهم من نعم الحياة وأسباب الكفاية والطمأنينة. ان تأمل المشهد العراقي الراهن يدفع الى الاعتقاد بأن حال الحصار القائمة منذ غزو الكويت عام 1990 أشد ايلاماً من الحرب التي أراد لها مخططو السياسة الاميركية ارجاع العراق الى العصر ما قبل الصناعي. وتحقق لهم ذلك، سوى ان الحرب كانت عاصفة عاتية استغرقت ستة اسابيع لتبلغ هدفيها، المعلن وغير المعلن، المتمثلين بإخراج القوات العراقية من الكويت وتحجيم الآلة العسكرية للنظام وإلحاق تدمير واسع في البنى التحتية للبلاد. اما الحصار الجاري منذ تسع سنوات، قد تطول اذا ما استمر النظام العراقي والادارة الاميركية بالتمسك بمواقفهما "المبدئية"، فجاء تدريجياً من دون استراتيجية محددة، وسلبياً، من دون مبالاة بالعواقب الكارثية المتراكمة، وعشوائياً من دون تمييز بين هدف اقتصادي او سياسي او انساني. فكأنه بعد ان طفحت اعراض صدمته المميتة على حياة العراقيين ونفوسهم، اشبه بمواصلة للحرب بأساليب اخرى. وهذه النقطة تستحق الوقوف عندها قليلاً لأنها تضطرنا الى مراجعة بعض المفاهيم. فإذا كانت منزلة الحرب من السياسة كمنزلة الذروة من الدراما، يكون الحصار، في حال العراق، ذروة الحرب وتجليها الأقصى. فالحرب، كما في الدراما المسرحية، تقترن عادة بلحظة حاسمة لتصاعد الصراع قبل انحلال عقدته وانحدار مساره. انها آخر الحلول المتاحة للسياسة لتسوية نزاع على أرض أو معتقد او لفرض امتياز او سلطة. لهذا ورد في تعريفها الكلاسيكي انها استمرار للسياسة بأساليب اخرى، لا يمكن ان تكون في كل الاحوال الا عنفية لابادة الخصم او شل مقاومته، ومن ثم لانتزاع تنازل منه عجزت الأساليب السلمية عن انتزاعه. الحرب، كما تجلت في التاريخ، هي استمرار "طبيعي" للسياسة حتى وإن استبدلت لغة السلاح بلغة الحوار، ومنطق القوة بمنطق العقل. وهي كذلك مقدمة لاستئناف السياسة من نقطة اخرى تحددها المعطيات المستجدة نتيجة استخدام العنف المنظم والتدمير المقصود. لا ريب ان الحرب هي من صنف المكروهات التي قد تتحول في يوم ما الى صنف المحظورات في قاموس العلاقات الدولية وفي العلاقات داخل المجتمع الواحد. ففنونها المعاصرة الحاصلة من اعتمادها على آخر منجزات العلم والتكنولوجيا التي حولتها الى لعبة نظيفة وانسانية، ولكن سادية، على شاشة الكومبيوتر، لم تدحض حجج معارضيها التقليديين بل غذتها كاشفة عن همجيتها وبشاعتها المتأصلة بدءاً من اشكالها الاكثر تطوراً حتى اشكالها الاكثر بدائية. حقاً ان حجج معارضي الحرب، سواء لاعتبارات اخلاقية او ايديولوجية او حتى عملية، تفتقد الى اساس موضوعي للحكم على الظاهرة بتجرد وشمولية، لكنها، في انطلاقها مما ينبغي ان يكون بدل تبريرها لما هو قائم، تعكس حقيقة التاريخ كصراع على القيم والمصالح. على رغم هذا، ليست الحرب هي أسوأ اشكال المجابهة وتسوية النزاعات بدليل ما يحصل في العراق عقب حرب الكويت. فما راكمته سياسة الحصار فاق واقع الحرب بل حوله الى حدث منسي في سياق انسحاق وتهميش يومي للبشر لا قرار له ولا نهاية. ازاء هذا يمكن المجازفة بمراجعة التعريف السابق للحرب وقلبه، لرؤيتها كاستمرار للسياسة - سياسة الحصار - بأساليب اخرى. ومهما كان من امر الاجتهاد في التعريف فإن الحرب وسياسة الحصار، المضروبة على العراقيين من الداخل والخارج، تشتركان عملياً في تمديد فترة غياب حسم القضية العراقية، اذ تعزز احداهما الاخرى في تعليق تاريخ العراق وادخاله حلقة مفرغة. ترى كيف يحس العراقيون مصيرهم غير المحسوم، وكيف يعبرون عنه؟ في رسالة وصلت حديثاً من العراق تقول كاتبتها "اذا كان لكم العذر في احساسكم بالغربة وأنتم في الخارج، فغربتنا هنا أكثر قسوة وإيلاماً، فإنك لا تتصور ابداً كم تغيرت الاشياء والبشر، ونحن في دوامة هذه التغيرات نعي الكثير من الحقائق لكننا لا نستطيع ان نفعل شيئاً. تماما كشخص اراد ان يمشي مئة كيلومتر، وعندما وصل الكيلومتر التسعين انتبه انه يمشي بالاتجاه الخاطئ، فأصبح في حيرة من امره لا يستطيع ان يكمل الرحلة ولا يستطيع ان يرجع. ففضل البقاء في مكانه. وهذا ما حصل، اسأل نفسي دائماً احنا ليش صرنا هيجي؟ ما أدري". حقاً لماذا صارت تلازم كل عراقي، لم يفقد بعد ملكة التفكير ونعمة الذاكرة، هذه الوحشة الخانقة وهذه الغربة المرعبة؟ لماذا لا يصدق ذلك المواطن الادعاءات الرسمية بأن بقاء النظام في بغداد هو انتصار للوطن على اعدائه؟ لماذا لا يشعر العراقيون بأن في نجاة حاكمهم الأوحد نجاتهم الخاصة افراداً وجماعات؟ لماذا لا يمسك المواطن العراقي عن الاعتراف المباشر بأنه ضحية قدر أعمى اوقعه في متاهات مصيرية لا مخرج منها ضمن ركام واقعه وتاريخه؟ لعل الاسطورة وحدها تمنح العزاء المطلوب لا التفسير الموضوعي، وهو عزاء يقوض ويزيح الاسئلة الحارقة لزمن الحصار الذي ارهق الانفس والأبدان وخذل انسانية الانسان في ضحاياه. والمفارقة هنا لا تكمن في العجز عن ادراك الاسباب، فثمة اجماع على ان اصل المصيبة يرجع الى العقلية الاستبدادية الثأرية لحاكم بغداد، والى النظرة العدوانية ضيقة الأفق للإدارة الاميركية. انها تكمن تحديداً في ان التفسير الموضوعي لا يعين شعباً محاصراً على التلاؤم مع شروطه الحياتية القلقة والشاذة. فأقصى ما يمنحه الفهم لصاحبه هو إمساك الضرورة في صورتها المجردة، في حين تقتضي المعايشة اليومية تأمين اساسيات مثل المأكل والملبس، الماء والدواء، وقبل هذا وبعده الأمن والحرية. وكل هذه يحكمها مبدأ الشحة الذي يتجسد في ظاهرتين: أولاً، انحدار شديد في نوعية حياة العراقيين، ثانياً، فقدان الأمل بتغيير الوضع القائم. فنرى، من جهة، ان الانحدار المريع في نوعية الحياة فاقم من اغتراب العراقيين الذين ما عادوا يصدقون ما آل اليه حالهم، ولا ادوارهم الجديدة فيه، كما يتضح من الرسالة اعلاه. لا يرجع الاغتراب الى اسباب مادية بحتة فقط، لأننا لو تأملنا الأمر بتعمق اكبر للاحظنا ان العراقيين في العقدين الاخيرين فقدوا تدريجياً القدرة على تمييز انفسهم ومعن وجودهم في ظل سلطة مغامرة ومكابرة، مهابة وتافهة. فقد تم سوقهم، مكرهين غالباً وراغبين احياناً، في ايديولوجيتها ومؤسساتها، ثم دفعوا من دون سبب مفهوم في حربين كارثتين. وما ان صحوا منهما حتى اكتشفوا ان الفكرة التي قاتلوا من اجلها كانت زائفة، وإن التاريخ الذي انتدبوا لصنعه لا ينتمي لهم بشيء الا بمعنى الخسارة والعبث. بينما لم تخلف في انفسهم تلك الحيل و"المآثر" التي اكرهتهم عليها ظروف مهمتهم المستحيلة، الا الخذلان والعدم. لهذا تراهم لا ينفكون عن استرجاع تاريخهم كرحلة قسرية باتجاه خاطئ لا أفق فيه ولا مخرج منه، رحلة لا تمنح امكانات العودة منها ولا مواصلتها. ومن الجهة الاخرى، قادهم فقدان الأمل بالتغيير، من داخل النظام او من خارجه، الى طرق أبواب البحث عن خلاص فردي بالرحيل من الوطن، او بانتظار حفنة دولارات من الأبناء او الاخوة او الاصدقاء في الخارج. وهذه حالة جديرة بالتأمل، لأن الضحايا المباشرين للسياسة يبدون بين الأكثر عزوفاً عنها والتفافا على شروطها المكبلة لوجودهم. وليس المقصود هنا توجيه النقد واللوم لأحد، وانما رصد حالة عامة لاضمحلال دور السياسة، وهو اضمحلال موقت وقابل للتكرار في التاريخ، لا لشيء الا نتيجة الافراط في السياسة. وثمة هنا امكان مقارنة مثيرة للاستفزاز بين التشبث المحموم للحاكم ونظامه بالبقاء في السلطة وبين التشبث الغريزي للشعب، افراداً وجماعات، بالفوز في معركة البقاء الضارية، فالحكم يسعى الى تحويل نجاته في المجابهة الى اسطورة في التسامي على عوارض الزمن وتحدي الضرورات وتقلبات الاحوال. انه لا يرى نفسه الا بمنزلة الناجي الأكبر المشهود له في معارك الحاضر السياسية، والمبجل في عرف الأقوام القديمة التي يحن الى تقاليدها. اما شعبه الضحية فلا يسعى الا لتدارك انسحاقه الوشيك تحت ديكتاتورية الحاجات الحقيقية او الوهمية، من خلال معيار تنازلي للحفاظ على البقاء ومواصلة الرحلة من دون احلام ومن دون أمل. الحاكم يوغل في الافراط بالحروب والقصور، بإدامة صوره في كل مكان وبتشييد صروح فخمة تخلد ذكراه، والشعب يأوي نفسه في انقاض التاريخ. في زمن "ام المعارك" وخاتم الحصارات، يبدو ان المسرح لا يتسع لمعادلة الحاكم والمحكوم.