لم يكن رشاد منير جمال الدين صابراً على الايام ومرورها عليه، بل كان يستعجلها لتجعله في سن الرشد ويتمكن من سحب مبلغ ورثه عن ابيه الذي رحل وهو لم يزل صغيراً. ورشاد الذي تخصص في مجال الكهرباء وبدأ العمل، وفّر من عمله مبلغاً اضافه الى تركة ابيه واشترى به سيارة على رغم ممانعة والدته السيدة تريز التي رضخت للامر ورغبات الابن منصاعة "لقلب الام". خمسة عشر يوماً مضت، والشاب اليافع ذو الثمانية عشر عاماً، يقيس الطرق بسيارته البيضاء ال"توربو" جيئة وذهاباً الى ان طارت به عصر احد الايام من جسر "الرينغ" الى الطريق السفلية فتحطمت وتحطمت معها عظام الفتى، واحترقت واصيب بحروق. وانتشل من السيارة المحترقة، بعدما تردد الناس عن انقاذه خوفاً، في حال قال فيها الاطباء لوالدته ان "الامل ضعيف في حياته، وان عاش فسيعيش مشلولاً". ليلة واحدة امضاها في غرفة العمليات لوقف النزيف، وصباحاً ثكلته امه، التي لاتزال الى اليوم غير مدركة تماماً ماذا حصل لابنها وكيف انحرفت به السيارة "على رغم تمكنه من القيادة". كثر من الشباب اللبنانيين يسعون الى ما سعى اليه رشاد ويلقون المصير نفسه اذ يقتل شهرياً على الطرق اللبنانية نحو 55 مواطناً معظمهم من الشباب الذين تتفاوت اعمارهم بين 15 عاماً و25. الام الثكلى لم تقف مكتوفة بل راحت تسهم مع شباب اطلقوا جمعية للتوعية الاجتماعية YASA وبخاصة من حوادث السير اسسها زياد مخايل عقل وزملاؤه بعدما قضى صديقهم في الجامعة الشاب طارق عاصي 19 عاماً قبل سنوات في حادث سير مفجع، بهدف "اطلاق حملة للوقاية من حوادث السير" مطلقين شعاراً للحملة "بقدرتك تسلم، مش قدرك تنصاب". وىؤكد عقل ل"الحياة" ان "98 في المئة من حوادث السير يمكن الوقاية منها، وهي ليست قدراً كما يعتقدون، بل لها علاقة بطريقة القيادة وفقاً لأسس وقوانين تتبع"، مشيراً الى ان في ألمانيا، على سبيل المثال قبل توحيدها كان عدد سكانها 60 مليوناً وكان يقضي في حوادث السير 22 ألف قتيل سنوياً، وبعد العام 1995 اصبح عدد سكانها 83 مليوناً لكن عدد قتلى حوادث السير انخفض الى 6آلاف سنوياً اي ان حملة التوعية وفّرت 16 ألف قتيل لأن الشعب تجاوب مع الحملة وراح يطبق قانون السير. وعن الوضع في لبنان اكد ان "الحملة لا تزال في بداياتها وان الناس بدأوا يتجاوبون في شكل خجول. وان عدد القتلى 55 والجرحى 385 شهرياً". مشيراً الى ان هذه الاحصاءات غير رسمية. وانبثق من الجمعية مركز دراسات درس اخيراً الاسباب الرئيسية لتزايد الوفيات على الطرق راصداً معظم الطرق وأظهر الآتي: بعد مراقبة اربعة آلاف سيارة ان 371 من سائقيها يستعملون حزام الامان اي بنسبة 3،9 في المئة، وان 491 شخصاً ممن يجلسون قرب السائق يستخدمون الحزام اي بنسبة 3،12 في المئة. وان 753 طفلاً يستخدم لهم كرسي الامان في اربعة آلاف سيارة ايضاً اي بنسبة 19 في المئة. وان 1117 منهم يستعملون سندة الرأس في شكل سليم. وتبين بعد مراقبة اربعة آلاف سيارة عند تقاطع الطرق ان 1273 منها 32 في المئة تستخدم فيها اشارات السير. اما الدراجات النارية فاظهرت مراقبة 4500 دراجة ان 1052 4،23 في المئة من سائقيها يستخدمون خوذة الرأس. اما الباقون فلا يستخدمونها. والشاحنات ايضاً تستعمل في 39 في المئة منها الشوادر في الشكل السليم. وللمشاة ايضاً مخالفاتهم اذ يسير ما نسبته، 39 في المئة منهم على الارصفة المخصصة لهم اما الباقون فلا يستعملونها. ويعتبر عقل ان "الحق ليس على الدولة بل على المواطن جزء كبير منه اذ عليه ان يكون اكثر وعياً في قيادته". ولا يكاد يأتي غريب الى لبنان الا يشكو من السرعة التي يقود بها اللبنانيون وهي على ما يؤكد كثر السبب الرئيسي للحوادث، ما حدا بقوى الامن الداخلي قبل اشهر الى وضع رادارات، في شكل مكمن، على الاوتوسترادات التي وضعت على جوانبها منذ انشائها اشارات السير وتحديد السرعة. وحملة قوى الامن هذه، على رغم جدواها لناحية تنظيم آلاف محاضر ضبط في حق المخالفين ومصادرة اجازات السوق، فان رئيس الجمهورية دعا المدير العام لقوى الامن اللواء عبدالكريم ابراهيم اخيراً الى استخدام كل الوسائل للحد من السرعة ومن حوادث السير وعدم التساهل مع المخالفين والتشهير بهم في وسائل الاعلام. واذ اكد عقل ان الرادارات خففت من نسبة السرعة فاعتبر انها لا تزال خجولة وليست كافية وتحتاج الى عامين ليصبح "عدد القتلى بمعدل 30 قتيلاً في الشهر". وكانت المؤسسات اطلقت العام الماضي مشروعاً لتعليم مبادئ القيادة السليمة تديره شانتال عبيد يهدف الى دمج التربية والترفيه في تعليم المبادئ السليمة في قيادة السيارات عند الاولاد الذين تتفاوت اعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة. وينتقل المشروع في كل المناطق اللبنانية وقد بلغ عدد المشاركين فيه ستة عشر ألف طالب. وللمشروع مراحل اولها محاضرة ثم مرحلة تطبيق اذ ينتقل الطلاب الى الحلبة حيث يستخدمون حزام الامان والخوذة الواقية واحترام اشارات المرور والقيادة السليمة. وللمؤسسة نشاطات كثيرة منها خروج نحو ألف شاب الى الشوارع ووزعوا مناشير للوقاية من حوادث السير والتزام القانون على السائقين. وبدأت اول من امس اعمال مؤتمرها الثاني الذي اففتحه وزير النقل والاشغال العامة نجيب ميقاتي ممثلاً الرئيس لحود في الاونيسكو عن حوادث السير وسبل الوقاية. واعتبر ميقاتي ان "مسؤولية المواطن في حماية نفسه من حوادث السير لا تقل اهمية عن مسؤولية الدولة في توفير السلامة للمواطنين"، مشيراً الى ان "نسبة كبيرة من الحوادث نتيجة للاهمال والتهور والامتناع عن التقيد بالانظمة والقوانين وغيرها اضافة الى عدم المحافظة على جودة السيارة التي يجب ان تبقى صالحة كوسيلة نقل لا وسيلة قتل". وألقيت في المؤتمر مداخلات كثيرة لناشطين وضباط في قوى الامن ركزت على اهمية تطبيق القوانين من المواطنين والمسؤولين على السواء وعلى التعاون بين كل شرائح المجتمع للحد من ضحايا السير في لبنان.