هل استطيع ان اقول إن المثقفين العرب ابتلوا بالسيل الجارف من المصطلحات المستغربة الواردة من الغرب واصبحوا يرددونها كالببغاوات حتى نعتوا بالمنظرين من اصحاب الكلام الفارغ والبعيد عن اية استمولوجية شرعية والموسومة بالثرثرة العالية والثقافة الحنجرية التي نراها اليوم من حولنا سواء في مجالسنا او في وسائل اعلامنا بكافة انماطه؟ مكثنا سنوات طويلة ونحن ننظر ونتفلسف على بعضنا البعض دون ان نحرك ساكنا كالذي يقول نسمع ضجيجا ولا نرى طحنا. حال المثقفين العرب يفصح عنه لسانهم لا افعالهم حتى اصبحوا من اكثر الشعوب تنظيرا واكتظت مكتباتنا بالدراسات والبحوث التي لا ترى النور توصياتها ومازال الكثير يطالب بالمزيد من التنظير وكأننا ندور في حلقة مفرغة. يأتي ذلك في الوقت الذي اضحى فيه العالم من حولنا خلية نحل عملية تعمل اكثر مما تقول.. مجتمعاتنا كثيرة منها ماليزيا على سبيل المثال كانت توسم بالمجتمع المتخلف منذ عقدين من الزمن فقط ولكن بالافعال استطاع الماليزيون ان ينتقلوا من مرحلة التخلف الى التقدم وكذلك الهند في فترة قصيرة اضحت من اهم الدول في مجال تقنية المعلومات.. ومازلنا نتحدث ونعقد المؤتمرات تباعا دون اثر عملي يذكر.. العالم من حولنا اتخذ من اقصر الطرق سبيلا لعمليات التقدم كالبحوث الاجرائية التي لا تتطلب وقتا او جهدا او مالا في تحقيق اهدافها في حين اننا نتجه الى الاستراتيجيات والخطط الطويلة المدى التي قد تستغرق عشرات السنين والتي ما ان ننتهي منها حتى تتغير الظروف والاسباب التي اعدت من اجلها. امريكا الدولة العظمى والاكثر تقدما في العالم تبني قراراتها الاستراتيجية على تقارير وبحوث اجرائية يقوم بها عدد بسيط من مفكريها في اوقات قياسية. ولعل الشواهد من حولنا تبرهن على تقارير وبحوث اجرائية يقوم بها عدد بسيط من مفكريها في اوقات قياسية. ولعل الشواهد من حولنا ترهن على ذلك فالحرب على العراق ومحاربة الارهاب والعولمة وغيرها لم تكن نتيجة استراتيجيات عشرية او عشرينية بل هي نتاج تقارير فكرية اجتمع عليها نخبة من اهل الفكر العملي لا الفلسفي او التنظيري. العالم يسير بسرعة فائقة في عصر اتسم بالمعلوماتية والمعرفة حتى اصبحت المعرفة هي القوة المسيطرة بل ان الامم اصبحت تقاس بمعارفها ونحن مازلنا نصنفها في زمن اصبحت المعرفة متاحة للجميع بفضل ثورة الاتصالات.. فالمعرفة ليست حكرا على امة دون غيرها فلماذا لا نستفيد من المتاح ونحاول تهذيبه بما يصلح لمجتمعاتنا؟ لماذا نلجأ الى النظرية في حين يتجه العالم الى التطبيق.. نعم لقد ابتلينا بالمصطلحات الغريبة وبحناجر بعض المثقفين من العرب ولا اعلم هل هي مؤامرة احيكت لالهائنا عن تقدمنا وان كنت لا اؤمن بنظرية المؤامرة هل العيب فينا لكي يستعرض كل منا فهمه لهذه المصطلحات فما ان تعترض مشكلة ما طريق التنمية في المجتمعات العربية حتى يتهافت المنظرون على طرح الفلسفات المختلفة والتي اقرب منها الى المثالية بعيدة عن العملية. فالمنظرون حولنا في مجالسنا وفضائياتنا ومجلاتنا منذ متى ونحن نكتب ونقرأ وننظر؟ ماذا عملنا من هكذا تنظير فلسفي فارغ ألم يحن الوقت لننتقل من مرحلة التنظير الى مرحلة التطبيق لمعالجة مشاكلنا وحلها؟ وهل سنستمر على هذه الحالة في الوقت الذي يسير فيه العالم نحو العملية والتطبيق. قرأت في ادبيات التراث المكسيكي اذ يحكى ان طفلا صغيرا وقف يوما على ساحل البحر يتابع نجمة بحرية قذفتها الامواج على الساحل وبعد ثوان من عملية التأمل العملي قرر الصبي ان يعيد النجمة الى البحر قبل ان تموت, وكلما اعاد نجمة قذفت الامواج الهائجة بغيرها وقذفت الامواج بالعشرات ولكن الصبي لم يكن يأبه بذلك وبنشاط اصبح يتابع كل نجمة ويحاول اعادتها الى البحر.. فجأة ناداه فيلسوف وكان يتابع ما يفعله الصبي اذ قال الفيلسوف يا بني لم تعد النجوم الى البحر يا بني الا ترى مئات النجوم قد تناثرت على الشاطئ فرد عليه الصبي قائلا: انني اشعر بالسعادة لانني احاول ان اخدم الآخرين ويكفيني فخرا انني اساعد الآخرين وابذل ما استطيعه، فرد عليه الفيلسوف قائلا ان نجمة البحر التي انقذتها وتعيدها الى البحر قد تلفظها الامواج مرة اخرى من جديد فتعود الى الشاطئ وتموت! يا بني انظر الى ملايين النجوم انك لم تصلح شيئا انظر الى الامام وبواقعية فرد عليه الصبي لقد شغلتني بحوارك هذا عن عملية الانقاذ التي اقوم بها فاتركني لاعمل واجلس انت وتنظيرك في برجك العاجي وانظر الى موت الملايين من النجوم دون ان تحرك ساكنا اما انا والقول للصبي فسعادتي ان ابذل ما في وسعي لانقاذ ما يمكن انقاذه.. واستمر الصبي يلقي بالنجوم في البحر دون احباط او يأس متيقنا من ان العمل وليس التنظير هو سمة الحياة وليست الفلسفة السلبية. عملية الطفل وجحود الفيلسوف يجسدان الواقع العربي الذي انقسم فيه الناس الى شريحتين، الكبرى منها هي المنظرة اولئك الذين يخشون مواجهة الواقع كما هو ولكن يرونه كما يريدون. مهلا دعوني اهنئكم فاننا بفضل التحولات العالمية فبدلا من ان ينتقل المثقفون العرب من مرحلة التنظير الى التطيبق انتقلوا الى مرحلة النقد فالشريحة الاقل من العمليين والذين يحاولون بجدية مواجهة الواقع كما هو ومجابهة المشكلات التي تعترض التنمية ووجهوا بنقد قطني لاذع لا هدف له الا تعطيل المسيرة التنموية فسلاحهم النقد في مواجهة العمليين لانه لا سلعة لهم الا الكلام دون الفعل وان طلبت من احدهم ان يعمل برأيه الناقد تراجع بقوة وكأن دوره يتوقف عند النقد فقط. ان مثل هؤلاء وجدوا لانفسهم فلسفة مريحة اداتها اللسان فالخيار الوحيد الذي امامهم هو التصدي لمحاولات الاصلاح حتى يستمروا في تنظيرهم الفارغ. نقطة: اليابانيون اقل الناس تحدثا وأكثرهم تقدما.. بأعمالهم.