لا يمكن لأي كان أن يكون صاحب مكتبة، بائع الكتب أو أمين المكتبة كما يسمى في قاموسنا العربي، يجب أن تجري الكتب في دمه كسائل لا يمكن استخلاص نوعية حبره ولا ماهية مادته، وقد قيل قديماً إن بائع الكتب أو "المكتبجي" يعرف أن للكتب أرواحاً؛ روح من كَتَبها، وروح من قرأها، وروح كل شخصية من شخصياتها. كل شيء في الكتاب حي، يتنفس ويتحرّك ويبني حياة كاملة، لهذا ننفعل ونتفاعل معه خلال ممارسة فعل القراءة، وإن لم يكن "المكتبجي" ذا حس راقٍ في التعامل مع الكتاب فلا داعي من الاحتكاك به، لسبب واحد لأنه قد يحبطك وأنت تختار كتاباً. دور نشر عريقة تدخل صفحاتها الخاصة على فيسبوك فلا تجد جملة تشجعك على اقتناء كتاب، أما حين تدخل صفحة مكتبجي حقيقي فإنك تتذكر مباشرة مقولة الكاتب المغربي الطاهر بن جلون :"المكتبجي صديق الكتب، وإن لم يكن صديقاً لها جميعها فإنه صديق لتلك التي يقدمها لك بحماس". يحمل الكتاب بين يديه، ويمارس عليك سحره الخاص، يُسمِعك خلاصة قراءته، ناسجاً شبكة شفافة من النقاط المضيئة حولك، ناقلاً بذلك حلمه إليك، فتحمل بدورك الكتاب متحسساً غلافه وتقرأ بعض ما ورد في خلفية الغلاف، ومخيلتك قد وقعت تحت تأثير كلام المكتبجي، وهنا على الأرجح ستشتريه، وتعود سعيداً إلى بيتك وكأنك فزت بجائزة. تشعر بالدفء حين تدخل مكتبة لها صاحب من هذا النوع، تشعر بالألفة والمحبة مع المكان كأنّك تعرفه منذ ولدت، كل تفصيل يأخذك من أطراف ذهنك إلى حنين ما، أنت في شوق لتلك الرفوف، والألوان، والأحرف الراقصة بفرح وهي ترسم العناوين المختلفة. عالم آخر، يفصلك عن الخارج الغارق في اليومي الممل والسياسي "البايخ"، فهنا لا كلام يزعجك في حضرة الصمت وفضاء الحرية الشاسع وأنت تختار. كل شيء ينتظرك، حتى ابتسامة المكتبجي الطيب، ستعرف أنها كانت في انتظارك من أول نظرة، محبة خفية مُجهّزة سلفاً لتربط بينكما، وتبقيكما صديقين لا خلافات في الأفق بينهما، السر في الكتب طبعاً، لكن أيضاً في تلك العواطف الإيجابية التي لا تفسير لها، والتي جميعها وليدة فعل القراءة. هو المكتبجي بحكمته يقودك إلى قائمة كتبك المفضلة، لأنّه يعرف سريعاً أن جراحك أعمق من أن تداويها العقاقير والمهدئات، ووصفات الأطباء على أنواعهم، وحتى حين تطلب منه قصصاً عن الجريمة، سيجد ما يشفيك، ويشفي غليلك، وحده الأدب يمص مخاوفنا ومواجعنا وأرقنا وكوابيسنا، ولهذا يبدو الأمر مطلباً ملحاً أن تجد "المكتبجي" الحقيقي قبل أن تبدأ بالبحث عن كتاب. Your browser does not support the video tag.