في اليوم التالي لصدور الحكم، نشرت صحيفة صورة كبيرة لعينيه على الصفحة الأولى. نظرة باردة وبعيدة ما كان يمكن أن تكون نظرة قاتل لو وضعت في سياق آخر. لكن الطبيب الخمسيني المحترم والمحبوب تحول فجأة، بعد قرار المحلفين انه قتل خمس عشرة مريضة، الى شخص خارج الجماعة وخارج الجنس البشري. ربما ما كانت عيناه تذكران بهنري فوندا في "حدث ذات مرة في الغرب" لو لم يكن ادين بارتكاب الجرائم. لعب فوندا دور أكثر القتلة برودة في تاريخ السينما وفق بعض النقاد، لكن هل كانت الصحيفة نشرت الصورة مع التعليق انه قاتل ذو دم بارد لو وجده المحلفون بريئاً؟ أثار الدكتور هارولد شيبمان شكوك بعض سكان منطقته، لكن خوف هؤلاء من سخرية الشرطة وسائر المواطنين دفعهم الى السكوت. الرداء الأبيض لا يزال يحظى في بريطانيا باحترام يقترب من تبجيل البلدان النامية له، خصوصاً بين المتقدمين في السن. أكثر الطبيب من استخدام المواد المخدرة التي استخدم جرعات زائدة منها لقتل مريضاته، وأدانه المجلس الطبي العام غير مرة لكنه لم يشأ أن يحقق في عدد الموتى بين مرضاه الذي فاق بأربعة أضعاف على الأقل عددهم لدى الأطباء الآخرين. قسم أبوقراط خرافة حتى في الغرب الذي يحمي اطباؤه بعضهم البعض بقوة بصرف النظر عن "الأخطاء" التي تؤدي الى خسارة حياة أو أكثر. يسلك هؤلاء مثل النسويات أو نقابات العمال الذين يعتبرون سقوط أحدهم أو تأديبه إضعافاً لموقف الحركة كلها. لكن المجلس الطبي العام، والأطباء كأفراد، خسروا من غض النظر عن المجرم بينهم، والجميع اليوم بدءاً بالحكومة حريصون على التنبيه الى أن جرائم شيبمان الذي تمتع بثقة مواطنيه لا تعني سحب هذه الثقة من سائر الأطباء. بعدما حدث، يقول الخطاب الرسمي والطبي، ستتأكد الحكومة والجسم الطبي من جدارة كل الأطباء وسجلهم وتراقب عملهم أولاً بأول. يعني ان على الشرائح العريضة من الجماهير ان تغلق أبواب العقل بعد الهزة التي تعرض لها وتوكل أمرها الى العين الساهرة التي لن ترّف مجدداً. كان الطبيب يدخل بيوت مرضاه كأنه واحد من الأسرة. على الأصح كأنه كائن فوقي يؤثر على الحياة والموت، ويملك يداً شافية وعلماً يخاطب الإيمان بالغيب على رغم كل عقلانيتنا وسعينا اليها. بات قاتلاً بالجملة لا يستحق ان يكون بيننا، وربما كان في استطاعته ان يقتلنا بعينيه فقط. ننظر الى الصورة الكبيرة ونقول هاتان عينا قاتل، ونصبح نحن الكائن الفوقي الذي يقرر أنه لا يصلح الا للقفص كالحيوانات المفترسة. بدلاً من أن يصون الحياة ويبعد الموت شاء أن يأخذ القرار بهما. لم يسع كطبيب الى متعة الحفاظ على الحياة بل الى اللذة في حضور الموت واستحضاره. الطبيب النفسي الذي فحصه لم يستطع أن يسأل ما نريد كلنا معرفة جوابه: "لماذا؟" شيبمان نفى ارتكابه الجرائم وخلّص شريكه في الزنزانة عندما حاول الانتحار بشريط حذاء الطبيب، اشارة الى أنه بريء ولن يعترف بالتالي. لكن الطبيب النفسي وجد عقلاً مضطرباً. شيبمان مصاب بحب الجثث، لكنه لا يمارس الجنس مع الموتى بل يستمد لذته من القتل ومراقبة ضحيته عندما تغادر الحياة جسدها. الخوف من شيبمان يواكبه الخوف من كل من يرتبط به الا إذا نبذه. الصحافة الشعبية لا تفهم مؤازرة زوجته له، لكن هذه تحتاج الى الإيمان ببراءته لتنقذ معنى حياتها وتنفي شراكتها القاتمة لزوج تحول فجأة الى قاتل وطريدة. هل نلوم الإعلام إذاً؟ ننتقم من ذاك الذي أخافنا وغدر بنا وأضعفنا بتحويل أقرب الناس منه الى ضحية لكي نرد أو نعوض. أو نضعفه هو بفصله عنهم. شيبمان قدّم أبشع مثال على قوة الفرد وضعف الجماعة، ولن تفشل هذه بتقديم أبشع مثال على قوتها عندما ترد.