الرياض حينما تصنع البهجة لا تكتفي بتلبية التوقّعات، إنما تُدهشك بالتفاصيل، وليالي العيد كانت شاهدةً على تحوّلاً مدروساً يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تعزيز التلاحم الاجتماعي، واستعادة المفاهيم الأصيلة التي تضع العيد في قلب المشهد الإنساني. فلا غرابة أن أعياد الرياض تتحوّل سنوياً إلى مشاركةً سكانيةً وتفاعلاً تقوده أمانة منطقة الرياض، ليس في العاصمة وحسب، وإنما في جميع مدن ومحافظات المنطقة، وملامحها تبدأ منذ دخول شهر رمضان بتهيئة المجتمع بالفعاليات التي تصنع مفاهيم التلاحم، مثل تجمعات الأحياء، أو مبادرات الإفطار، أو فعاليات الحوّامة، وهو أصعب ما في صناعة أي فعالية، لكن التمرّس فيها يعكس نتائجاً مبهرة، ولمسناه وعشناه في ليالي العيد، فتحوّلت الحدائق والأحياء والحارات إلى تجمعٍ سكانيٍ مليئٍ بالسعادة ومحفوفٍ بالترابط، فيعرف الجار جارَه، ويرى الناس بعضهم ويتفاعلون بشكلٍ يعكس الحياة الاجتماعية الحقيقية. وأجمل ما تفعله الرياض اليوم، أنّها تُحرّر الفرح من قوالبه المعتادة، وتُعطيه أشكالاً جديدةً تُناسب الناس جميعاً، فأنت تجد الفعاليات الموجهة للأطفال، والأخرى التي تراعي خصوصية كبار السن، وثالثةً تشجع الشباب على التفاعل والمبادرة، وحتى ذوي الإعاقة لهم نصيبهم الواضح من كل فعالية، وهذا ليس بالأمر السهل، لأنه يتطلب فهماً حقيقياً للتنوع داخل المجتمع، وإرادةً لتصميم فعالياتٍ تحترم هذا التنوع وتستفيد منه. انعكاس الرؤية على حياة الناس في مناطق المملكة عموماً، وعلى وجه الخصوص في العاصمة، واضحٌ وملموسٌ، لا على مستوى البنية التحتية أو المرافق العامة فقط، بل في روح المدن، وما جاورها، وأيضاً في علاقة المجتمع ببعضه، وفي هذا نجد شعوراً متزايداً بالانتماء وحرصاً على التفاعل، وكل المشاريع الحديثة تؤسس لهذا التوجه الاجتماعي، فتنسج خيوط علاقةٍ بين الإنسان والمكان، تقوم على الحضور والمشاركة والدفء الإنساني، لذلك كل مبادرة، وكل مساحةٍ أُعيد تصميمها، تحكي للناس أنهم في قلب الاهتمام، وأن المدينة تُبنى لأجلهم، ولأجل سعادتهم، وأهمها وأبرزها مؤخراً "المسار الرياضي" والمشاريع التابعة له في الرياض، التي أوجدت الأرضية المناسبة للسكان للالتقاء والمشاركة، وتعزيز الروابط الاجتماعية، وتحقيق أهدافهم الصحية، وهذا نموذجٌ واحدٌ من مشاريع عدةٍ تقوم على فكرة الترابط المجتمعي وبث الروح في المدن، ولذلك معيار نجاح أي مشروع أو مبادرة تستهدف المجتمع هو مدى القدرة على تحقيق معايير السعادة لهذا الجيل الذي يتميز بالوعي والثقافة، والتوق للمعنى، وما يمكن أن يقدمه في زمنٍ يستحوذ عليه الترفيه التقني ويأخذ الحيز الأكبر من يوميات الناس ويشكل مزاجهم العام.