بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر المبارك    التجارة: نفاذ نظاميّ السجل التجاري والأسماء التجارية اعتباراً من اليوم 3 أبريل 2025    هيئة الهلال الأحمر بالشرقية تكثف جهودها خلال عيد الفطر 1446ه    مصادرة العديد من الفواكة الغير صالحة للاستهلاك بمنطقة عسير    المملكة تدعم أبطال ذوي التوحد    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى الاثنين المقبل    أكثر من 30 فعالية في (٨) مواقع تنثر الفرح على سكان تبوك وزوارها    بلدية محافظة الأسياح تحتفي بعيد الفطر وتنشر البهجة بين الأهالي    في افتتاح كأس آسيا بالطائف .. الأخضر السعودي تحت 17 عاماً يواجه الصين    أخضر السيدات يدشن معسكر الدمام ويواجه سريلانكا وهونغ كونغ    احتفالات مركز نعام بعيد الفطر المبارك 1446ه    قمر صناعي صيني لبث الإنترنت    المملكة تدين اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى    الدولار يتراجع بنسبة 1% أمام اليورو إثر إعلان ترامب بشأن الرسوم الجمركية    الحكمي رئيسًا لبلدية أحد المسارحة    ضبط البوصلة    «بنو قادس» لأول مرة في نهائي كأس الملك    العثور على «صقر الأسياح» في العراق    فرحة العيد    عيد الشعبة غير    بلدية محافظة الشماسية تحتفل بعيد الفطر    متخصص في الاقتصاد الدولي : تنفيذ الرسوم الجمركية متبادلة قد يؤدي إلى عدم الاستقرار في الأسواق المالية الأمريكية    بماذا أعددنا ل«يونيو»؟    هل هناك حاجة لزيادة عدد الفرق؟    شملت (١٠٦) مكرماََ *بيت الحمد التراثي يكرم رواد الحركة الرياضية في مركز نعام*    مجمع الملك سلمان يُطلق برنامج «شهر اللغة العربية» في إسبانيا    تشهي التخطئة    ضبط إثيوبي في جازان لتهريبه (155,400) قرص خاضع لتنظيم التداول الطبي    المملكة توزّع 467 سلة غذائية في مدينة بيروت بلبنان    الرياض تحتضن منتدى الاستثمار الرياضي 2025 الاثنين المقبل    جناح مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في بولونيا يحظى بإشادة الزوار الإيطاليين والمبتعثين    هيئة العقار تدرس وضع حد لرفع الإيجارات    السفير الرقابي يقيم حفل استقبال ويشارك رئيس الجمهورية بصلاة عيد الفطر المبارك    فاطمة الفهرية التي أسست أقدم جامعة في العالم؟    وزارة الصحة الأمريكية تبدأ عمليات تسريح موظفيها وسط مخاوف بشأن الصحة العامة    ترحيب سعودي باتفاق طاجيكستان وقرغيزستان وأوزبكستان    طيفُ التوحدِ همٌ أُمَمِي    نواف بن فيصل يُعزّي أسرة الدهمش في وفاة الحكم الدولي إبراهيم الدهمش    رجال أعمال صبيا يسطرون قصص نجاح ملهمة في خدمة المجتمع وتنمية الاقتصاد المحلي    مدرب الشباب ينتقد التحكيم عقب الخسارة أمام الاتحاد    العيد يعزز الصحة النفسية    تجربة سعودية لدراسة صحة العيون في الفضاء    محافظ الطوال يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في جامع الوزارة ويستقبل المهنئين    باحثون روس يطورون طريقة لتشخيص التليف الكيسي من هواء الزفير    جوارديولا يُعلن مدة غياب هالاند    جمعية " كبار " الخيرية تعايد مرضى أنفاس الراحة    أكسيوس: ترمب سيزور السعودية مايو المقبل    أكثر من 122 مليون قاصدٍ للحرمين الشريفين في شهر رمضان    الأمير سعود بن نهار يستقبل المهنئين بعيد الفطر    "أمانة الطائف" تنهي استعداداتها لعيد الفطر المبارك    جمع مهيب في صلاة عيد الفطر في مسجد قباء بالمدينة المنورة    إدارة المساجد والدعوة والإرشاد بمحافظة بيشة تُنهي استعداداتها .    مختص ل «الرياض»: 7% يعانون من اضطراب القلق الاجتماعي خلال الأعياد    ترامب: لا أمزح بشأن سعيي لفترة رئاسية ثالثة    إنجاز إيماني فريد    بين الجبال الشامخة.. أبطال الحد الجنوبي يعايدون المملكة    عيد الدرب.. مبادرات للفرح وورود وزيارات للمرضىع    الرئيس عون: لبنان دخل مرحلة جديدة بعد عقود من العنف والحروب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الثقافة الجزائرية بين رائحة التراب وطعم الخوف : هدوء مخادع وسحر لا تفكه إلا الكتابة
نشر في الحياة يوم 23 - 12 - 1996

عاد الأديب واسيني الأعرج إلى بلاده زائراً، لتفقّد الأرض المحروقة. متحدّياً الخطر، قام بجولة على كواليس الثقافة الجزائريّة الراهنة. اقتفى آثار جيل شاب يصرّ أفراده على التوقيع بأسمائهم في زمن الغاء الأصوات والأسماء. من العاصمة، هذه "المرأة المجنونة التي تنصلت فجأة من عشاقها وتنكرت لهم"، إلى مدينة الرعب والمقاومة في بوفاريك، مروراً بمخبأ سرفانتيس الذي لم تعد تسكنه إلا الأطياف بين ركام الأقذار، بحث الكاتب عن وطن. لكنّه لم يجد سوى طعم الخوف والمرارة وأوهام الكتابة.
في الجزائر أصبح الموت، مثل الحياة، قدراً يومياً يجب التعامل معه مثلما هو. لا أحد يعرف، عندما يخرج من بيته، إذا كان سيعود في المساء. كل خروج في الجزائر مغامرة، لكل صوت قيمة ولكل رائحة حذر. نعرف بالضبط، من خلال نقرات الحذاء، مَنِ الصاعد في الأدراج، ومن الرائحة، من ذا الذي يختبئ وراء الباب. أصبحت للموت رائحة. أحياناً تشبه رائحة الحريق، وأحياناً أخرى رائحة الحلازين، أو رائحة التراب، وأصعب الروائح رائحة الماء. فالقتلة يختبئون فيها، يتموهون، بحيث يصبح من الصعب جداً معرفتهم. وللخوف في الجزائر طعم الدم، والأخطر طعم الالفة والقدرية والتسليم بالأمر الواقع. وهذا الطعم القاتل هو الذي سرق أسماء كثيرة.
لكن في الجزائر أشياء أخرى. الشمس التي ترفض أن تستسلم مساءً للجبال العالية، والهضاب التي تعرف كل الاسرار والرموز المختبئة. في الجزائر بحر، على الرغم من السواد والدم، ما يزال أزرق. ما يزال هو هو. بأصدائه، بذاكرته، بموجه الذي يأتي محملاً من بعيد، ينكسر، ثم يعود مشحوناً بالأصداء. هكذا الدنيا في الجزائر. تنشأ الحياة يومياً داخل كل التفاصيل. والثقافة لا تتنصل من هذه الثنائية اليومية. بين الحلم بالكتابة، بل الاصرار على الفعل الثقافي، والحذر والخوف والاحتياط والاندفاع... يبدو هدوء الجزائر أحياناً خادعاً جداً.
كتّاب كثيرون استسلموا للخوف والصمت، لوهم جميل مفاده أن من يصمت "فسيُغفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"! أسماء كثيرة لم نعد نقرأ لها شيئاً، واتساءل اذا كنا قرأنا لها شيئاً. الكتابة لا تصمت. عندما تفعل ذلك تفقد تعريفها كفعل انساني وتصبح لا شيء. الكتابة، عندما تحيط بها المأساة، تنقل مواقع فعلها، رافضة فعل المحو الذي يصادرها ويدفع بها نحو الصمت. فالصمت في الكتابة معناه الموت والنهاية.
كتّاب كثيرون أيضاً قاوموا الموت اليومي، وعندما انسدت السبل، سحبهم فضاء المنفى الذي يقتل الكتابة بهدوء، أو يدفع بها نحو اعادة النظر في الكثير من المسلمات. هناك جيل آخر يندفع نحو هذا الخوف الجديد، بعد الجيل الذي حمل وطنه في قلبه وفي كتابته وهاجر، عندما كانت خيبة الأمل أكبر من القدرة على التآلف معها. وصار الوطن الوحيد، هو وطن الكتابة. وطن ينزف بشكل دائم. وطن محمد ديب، وطن الشاعر جمال الدين بن الشيخ، وطن محمد أركون، وطن السينمائيين والروائيين والشعراء الذين خسرتهم البلاد ولم يخسروها لأنها فيهم.
الكثير من الكتاب بقي هناك. يكتب. يحاول أن يمارس طقوس الحياة. أن ينسى الخوف لحظة، لكن الخوف صار داخل الأشياء. في كوب القهوة المسائية التي لا تسلم لذتها الا لعاشقها الفعلي. في الحبر المسروق من أقرب ورّاقة. ومع ذلك يصرون على الكتابة. بقطاش مرزاق، في منفاه الصغير الذي اخرجه من بيته بعد تعرضه لمحاولة اغتيال. الرصاصة اخترقت القفا لتخرج من الخد، لكنّه نجا بأعجوبة. أصبح عالمه الكتابة وحدها والبحر، هو الذي نشعر في حروفه بطعم الملوحة وعرق الصيادين. يكتب زاويته بشكل دائم لصحيفة كويتيّة. يعد برنامجه الاذاعي الأسبوعي، يترجم النصوص العالمية ويكتب الرواية.
يقول بقطاش مرزاق الذي ما يزال التعب النفسي بادياً عليه: "انتهى كل شيء. أشياء كثيرة تغيّرت في. أنا متقاعد الآن، ولا شيء لي سوى الكتابة، والبقاء على تماس مع الانجازات الثقافية الانسانية. فرغت من قراءة رواية ماركيز الأخيرة ولكنها لم تعجبني كثيراً. أنا منشغل بثقافة وفكر القرن العاشر الاسلامي، فهذا مرجعي الحقيقي والباقي تفاصيل زائدة. جربت أشياء كثيرة، وها أنا أتفرغ الآن لنفسي".
الخوف من الموت، لم يُنْسِه متعة اهداء الورد والنوار، والتنكيت مع الكاتب القصصي العراقي: اسماعيل رسول الذي يعيش هناك، ويكتب قصصاً للأطفال وينشرها ويوزعها بمجهوده الخاص، ويكتب عن السينما التي تشكل حلمه الدائم، ويحلم بالعودة إلى وطنه ذات يوم: "أصعب الهويات في هذا الزمن، أن تكون عربياً - يقول اسماعيل - وأصعب المنافي، تلك التي تفاجئنا ولم نتهيأ لها. ويبدو أننا نحن العرب لا نتهيأ لأي شيء، ثم نقبل كل شيء كقدر محتوم".
على الرغم من الصعوبات الصحية التي يواجهها، يواصل خلاص الجيلالي الكتابة والعمل في وزارة الثقافة والترجمة. ويحاول الانتهاء من نصه "ثلاثية إيقوشيم" الذي تأخر كثيراً والذي يعود فيه إلى تاريخ الجزائر لفهم التحولات التي تعصف اليوم بالبلاد. أما مصطفى فاسي، القاص المعروف والأستاذ الجامعي، فيوزّع وقته بين الجامعة والبيت، حيث يشتغل ب "سرية" على عمل قصصي طويل، بعد أن نشر العديد من المجموعات والقصص القصيرة، وينتظر صدور مجموعته الأخيرة عن المؤسسة الوطنية للكتاب.
والمؤسسة التي تخصصت في "حفظ" المخطوطات من "الضياع"، حتى كادت تضيّع تخصصها لتصبح مركزاً لحفظ الارشيف الوطني القصصي، تعاني من صعوبات مالية كبيرة. لم تعد تطبع إلا القليل، وهي معرضة - إذا لم تنقذ من جديد من طرف الدولة - إلى الزوال والاندثار.
بقية الدور التي ظهرت ابان السنوات "الاحتفالية" الأولى للديموقراطية، صمتت أو هجرت، أو انتقلت إلى أماكن أخرى. "دار بوشان" انتقلت إلى تونس ثم توقفت. "دار الاجتهاد" تنتظر افراغ المحل بعد أن رفع ضدها الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط دعوى باخلاء المكان الذي كانت تؤجره للدار. "دار الحكمة" التي تحمست للكتاب الجامعي والفكري، توقفت تقريباً بسبب الصعوبات المالية. ومهنة النشر أصبحت مهنة الشقاء والخوف. ديوان المطبوعات الجامعية، على رغم افلاسه ما يزال ينشر كتباً هو وحده يصر على أنها "جامعية"...
الكاتب الجزائري يجاهد للكتابة، وعليه أن يجاهد ليجد ناشراً وطنياً أو عربياً أو أجنبياً. من هنا يمكن فهم ظاهرة التوجه إلى اللغة الفرنسية عند الكثير من الكتاب الروائيين الجزائريين المعربين: ابراهيم سعدي، ساري محمد، مرزاق بقطاش الذي ظلّ مرتبطاً بالعربية إذ كتب رواية "كالاموس" بالفرنسية، ثمّ عرّبها بنفسه.
أصوات نسائيّة
وهناك جيل من الكتاب الشباب، وأغلبهم شعراء، يصنعون اليوم الوجه الآخر لجزائر ثقافية أكثر جرأة في الكتابة. كتابة تتخطى المعهود والمتعارف عليه. والغريب أن الحركة الشعرية بصوتها النسائي تحتل اليوم مساحة كبيرة نسبياً، مع أن المرأة مستهدفة أكثر من الآخرين. لكن الضياع حاضر أيضاً بشكل سافر. عادت الشاعرة م. نَصيرة إلى قريتها الصغيرة، بعد أن يئست من العاصمة على الرغم من ارتباطها بالجامعة وبحياة البحث. وعادت الشاعرة سلمى. ر إلى مدينتها الصغيرة بسبب ظروف تتعلق بالعاصمة، وبالعمل الذي يجبرها على البقاء هناك. واختفى نجيب حماش داخل صوفية المصابين بنار الكتابة وبقهر المحيط القاسي. ويحلم الشاعر بوبكر زمَال بالهجرة صوب بيروت أو أية عاصمة عربية تفتح له قلبها.
وفيما تنكبُّ الشاعرة رشيدة خ. على انجاز بحثها الجامعي، ابتعد الشاعر عادل صياد نحو شرقي البلاد، كأن العاصمة صارت جسداً مريضاً، أو امرأة مجنونة تنصلت فجأة من عشاقها وتنكرت لهم. وغنية. س. ع. بين "الجاحظية" وبحثها وابداعها. كلّهم يكتبون. يكتبون بشيء، هو خليط من الماء والحبر الأسود والخوف، ويصرون على التوقيع بأسمائهم في وضع يتهافت نحو الغاء الأصوات والأسماء والأجساد.
المؤسسات الثقافية في الجزائر كانت دائماً مشلولة، والوضع الأمني القاسي زاد في شللها. وليست هناك، إذا استثنينا الجهود الفردية، بؤرة ديناميّة تجمع المبدعين والجمهور وتحتضن الأسئلة والنقاشات. اتحاد الكتاب الجزائريين يحمل عجزه الطبيعي في تكوينه وبنيته. كلمة اتحاد تحيل إلى منظومة مصطلحية كان يتبناها حزب جبهة التحرير الذي نقل المؤسسة من وظيفتها الثقافية الى وظيفة سياسية الحاقية. وعلى رغم من مؤتمر "زرالدة" 1989، 1990 بقي جوهر المؤسسة هو هو، يحتاج إلى اصلاحات ديموقراطيّة عميقة، وبالتالي إلى خلخلة بنياته. ليس الذنب ذنب الأفراد دائماً، فالعجز جذوره في البنية التي تجيّر الجهود الفرديّة وتفرض عقمها.
سألت عن رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين، الشيخ بوعمران، الوزير السابق للثقافة. قيل انه في مستشفى "باينام". سألت عن السبب، فقيل: "تعرض لاعتداء". وأمام قلقي واستغرابي، طمأنني محاوري: كلف الرئيس عاملاً كهربائيّاً بتصليح مقرات الاتحاد. وعندما انتهى هذا الاخير طلب تعويضاً مادياً يساوي أضعاف مجهوده. وعندما خرج له الشيخ بوعمران محتجا، لم يجد العامل ما يفعله سوى ضرب رئيس الاتحاد، فكسر حوضه.
نزلتُ خفية أنا والروائي بقطاش لزيارته، ولكنه كان غادر المستشفى. فحولت الزيارة إلى القصصي أبو العيد دودو، وهو أحد رواد القصة القصيرة في الجزائر. وعلى الرغم من تعب القلب، الذي دفع به إلى المستشفى مرات عدة ما يزال بين الجامعة والكتابة الساخرة والترجمة. إذ أصدر أخيراً مجموعة قواميس مهمة، منها قاموس عربي - ألماني. كما أصدر الجزء الثالث من "صور سلوكية"، وهو عبارة عن كتابة كاريكاتور ساخرة. والرجل هو هو، لا شيء يمر من دون نكتة، حتى لحظة الألم.
مجلة اتحاد الكتاب التي تغير اسمها من "المساءلة" إلى "الكاتب الجزائري" تنتظر الصدور منذ أكثر من سنة. يقول المشرف عليها، الشاعر بوزيد حرزالله: "ما علينا قمنا به، وما على المؤسسات، هي مسؤولة عنه. والظاهر أنه على رغم توافر الارادات الشابة، والحيوية في اتحاد الكتاب، ستبقى المجلة تنتظر لسبب بسيط، هو في جوهره هيكلي. لا يمكن لمؤسسة هرمت بنيوياً، وبدأت تتهدم، أن تستمر في وضعها السابق. والاتحاد يضمّ أفراداً من غير الكتاب المبدعين. رئيسها الحالي ليس مبدعاً، بل أستاذ اشتغل في حقل الفلسفة الاسلامية، ثم توقف".
ويتساءل أحد أعضاء الهيئة التنفيذية للاتحاد: "ما الذي يجمعني بخلق لا أقاسمهم أي هاجس ثقافي؟ يبدو أننا ننفخ في جثة ميتة. أتساءل ما جدوى اتحاد يصدر بياناً تأبينياً عن الشيخ الغزالي ويعلن عن تنظيم ندوة تخصه، وينسى ذكرى اغتيال الطاهر جعوط، يوسف سبتي وبختي بن عودة؟". هل اتحاد الكتاب ضرورة ثقافية؟ التجربة حتى الآن بينت عكس ذلك...
"جمعية الجاحظية" التي استقطبت كثيراً من الكتاب منذ نشأتها، لم تستطع الخروج من هذه الدائرة المؤسّساتية التي تسحق في طريقها كل رأي مخالف. هكذا غادرها في وقت مبكر كتاب مؤسّسون مثل بقطاتي مرزاق، زينب الأعرج، عبدالحميد بواريو، وكاتب هذه السطور... كما غادرها الطاهر جعوط الذي كان عضواً في تحرير مجلتها "التبيين"، ويوسف سبتي أربعين يوماً قبل اغتياله. ثم غادرها بعد ذلك كتاب شباب انجزوا مجلات متعددة، مثل حسن خروبي، عادل صياد، نجيب أنزار وغيرهم... واغتيل وسط مناخ الصمت والريبة كاتبان: بختي بن عودة رئيس تحرير مجلتها، ويوسف سبتي أمينها العام. ولم يبقَ سوى رئيسها الدائم الروائي الطاهر وطار.
هكذا انتقلت الجمعيّة من منطق التعددية الذي أُنشئت على أساسه، إلى ذهنيّة الحزب الواحد الذي ينسى أن الثقافة بطبيعتها متعددة، تضيق بالقوالب المسبقة. وعلى الرغم من مجهود النشر الذي تقوم به فتكلس بنيتها الدائمة مثل اتحاد الكتّاب، يمنعها من التحول إلى منبر ثقافي بديل وفعلي، يسد نقصاً وفراغاً خلّفه انسحاب مؤسسات النشر التابعة للدولة. فاستراتيجيتها محدودة وتسييرها يمنع من انتشار أية حساسية ابداعية تطمح إلى التمايز.
صمّمت أن أزور "مخبأ سرفانتيس"، وهو المكان الذي التجأ إليه الكاتب الاسباني الكبير صاحب "دون كيخوته"، عندما سجنه القراصنة الأتراك وطالبوا بفدية مالية لاطلاق سراحه. ولم يخرج من سجنه إلا بعد مضيّ خمس سنوات في الجزائر، بين الأعمال الشاقة ومحاولات الهرب الفاشلة. المخبأ في حي بلكور الذي كان مشهوراً، حتّى وقت قريب، بمسجد "كابول"، ومنه كانت تنطلق معظم مسيرات "جبهة الانقاذ" المنحلة.
نصحني أحد الاصدقاء بعدم المغامرة، ومع ذلك ذهبت، يدفعني هاجس الكتابة عن ميغال سرفانتيس. ورافقني الكاتب مصطفى فاسي الذي يدرّس سرفانتيس لطلبته في اطار الآداب الاجنبية. وهالنا ما رأينا. فالمخبأ الذي كان إلى وقت قريب مكاناً ثقافياً وسياحياً، أصبح فارغاً وشبه مزبلة، يرتاح فيها السكارى في آخر النهار. لا شيء فيها سوى الأعمدة التي تقاوم الوحدة وملوحة البحر وندى الغابة الصغيرة وبقايا المرتكز الذي كان ينام عليه مجسم صغير لسرفانتيس، وضعته الجالية الاسبانية ويشبه المجسم الموجود في مدريد. وساحته الصغيرة التي كان يأتيها الناس جماعات جماعات، ومنها ينظرون إلى المغارة أو المخبأ أو البحر، صارت فارغة إلا من الأصداء القديمة.
وماذا عن "فيلا عبداللطيف" التركية القديمة التي كانت داراً للفنانين، وعبرها كبار الرسامين مثل دولاكرا وإتيان دينيه...؟ الفيلا المطلّة على البحر والميناء القديم وعلى حي الحامة، سُدّت أبوابها وسكنها خواص لا أحد يعرف من هم، مع أنها من المعالم الوطنيّة المهمّة. وفي المنحدر يوجد مقهى "السرو" الذي كان يرتاح فيه المسافرون الذاهبون باتجاه قسنطينة. لم يعد فيه شيء يذكر، فقط عين صغيرة جفّت ماؤها بالماء، ولوحة كتب عليها أن الترميم قامت به البلدية بمساعدة اللجنة الخاصة بالحفاظ على تراث المدينة. من سرفانتيس إلى المقهى لا توجد الا كتابة واحدة F.I.S الجبهة الاسلاميّة للانقاذ، بخطوط رديئة معلنة عن ماكنة دمرت كل شيء بمرورها، حتى الأحجار الصامتة.
للجزائر وجه شعبي آخر وصل إلى درجة من الوعي، لم يكن يمكن التوصّل إليها لولا يوميات الارهاب والموت. اكتشفت ذلك خلال زيارة إلى بوفاريك، في البليدة التي كانت مدينة الورد فصارت مدينة للرماد. خرجت من العاصمة في حدود الساعة الرابعة باتجاه هذه المدينة التي يثير مجرّد ذكرها الرعب في الأبدان. كان الناس يُذبحون فيها، في وضح النهار. مدخل بوفاريك المسيّج موزّع بين مشهد الخراب: مدارس محترقة، شاحنات لم تبق إلا هياكلها، ومشهد الحياة والمقاومة: حقول البرتقال والليمون، والمطر والخضر، ومواطنون بسطاء تطوّعوا للدفاع عن أنفسهم.
في حوش غرو ما تزال قناني الغاز التي حُشيت بالبارود لتفجيرها بين السكان على شكل كمائن، لولا اكتشافها وتفكيكها. تساءلت كيف كان يمكن ان يكون ضررها لو انفجرت؟ عمّي بوعلام الذي أقسم ألا يضع السلاح حتى تتم تنقية الجزائر من القتلة يقول "شوفْ. هذه البلاد لا حل لها الا في سحب الدين من القتلة وارجاعه إلى قلوب الناس. مسألتي مع الله تخصّني، ولا تخصّ أي شخص آخر. عندما نُبعد الدين عن السياسة، يصبح بالامكان نقد المخطئ ومحاسبته".
وعندما طلبت منه أن يريني الكتب التي وجدوها في مخابئ الارهابيين، قادني في الليل إلى بيت مهجور، حُوّل إلى قاعدة للمقاومين، وأخرج لي الشاب مُنجي كراسة صغيرة فيها مخطط لصنع القنابل وحشو قارورات الغاز، ثم كتباً عدّة منها: الكبائر لشمس الدين الذهبي الشهاب، حياة القلوب بدعاء علام الغيوب لأبي السمح محمد عبدالطاهر بن محمد، كتاب هداية الحيارى في اجوبة اليهود والنصارى للامام شمس الدين، الوجيز في علوم الحديث لمحمد عجاج الخطيب، رفع الملام عن الأئمة الاعلام لابن تيمية، التحذير من البدع/ اربع رسائل مفيدة لعبدالعزيز عبدالله، وغيرها…
تذكرت من خلال الحديث مع الشاب منجي، الجميل والفارع القامة، النص الذي قرأته عند القاص محمد الصالح، مدير جريدة "الصباح الجديد". النص عبارة عن قصيدة شعرية بعث بها الشاعر عيسى لحيلح من "قمم الجبال". عيسى لحيلح كان عضواً في الجبهة الاسلامية للانقاذ، وعضواً في "اتحاد الكتّاب الجزائريين"، قبل أن يصبح مفتياً للقتلة. القصيدة بعنوان الارهابي، يبحث فيها عن مرجعية مفقودة ليكشف النقاب واضحاً عن الجريمة. هل يمكن أن يمشي الشعر إلى جانب الجريمة؟ هل تقبل الكتابة أصلاً أن تتحول إلى مادة طيّعة في يد الموت والقتل؟
هذه هي صورة الجزائر اليوم، بين ثقافة الموت الذي سطّح كل شيء، وعصيان كتابة الحياة التي ترفض أن تستسلم للخوف والارهاب. الموت صار مادة استهلاكية، وصار الاحتياط والحذر، وسيلة من وسائل محاربة هذا الموت الذي ينتصب عند باب البيت، او بالقرب من مقرّ العمل، أو حتى في طريق منسية. وكل يوم يعيشه المبدع، بات انتصاراً جديداً للحياة على العدم. والجزائر هي الجزائر. بحر جميل. نساء رائعات يعبرن الشوارع، يتحدّين التهديدات ورسائل التخويف. الجزائر مدينة مستعصية لا تفك سحرها إلا الكتابة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.