بلغ الروائي الجزائري الطاهر وطار السبعين، وكرّم منذ أيام من طرف المكتبة الوطنية الجزائرية على هذا الأساس. وهو تكريم يضاف إلى حصوله على جائزة من طرف اليونسكو. ولا اشك أن الروائي اليوم يريد أن يبقى اسمه ذائع الصيت في جزائر عادة ما تنسى كتابها بسرعة أو لا تتذكرهم إلا بعد أن يغادروا الحياة، بعد أن يصبحوا شهداء في شكل أو آخر. وإذ يحدث العكس مع الطاهر وطار، فذلك لأنه عرف على عكس زملائه الذين رحلوا في صمت وطويت ذاكرتهم في صمت ايضاً، كيف يبقى حاضرا في الساحة السياسية والثقافية، فمنذ أن أتخذ مواقف سياسية من السلطة، والتي مع ذلك بقي يتعامل معها في شكل أو آخر، من خلال تدعيم جمعيته الجاحظية مادياً ومعنوياً، وجد وطار نفسه في قلب السجال السياسي بين معسكر الجيش الذي مثله ثقافياً عدد من الكتاب كواسيني الأعرج ورشيد بوجدرة والمرحوم عبد الحميد بن هدوقة... ولكن هذا الطرف طبعاً يسمي نفسه بهذه التسمية، لكن كان يفضل تسمية قريبة من الدفاع عن الجمهورية والديموقراطية لمواجهة الذين راحوا يكيلون له تهمة التعاون مع الأصولية والوقوف إلى جانبها. لكن من قرأ روايات وطار الأولى مثل"الحب والموت في الزمن الحراشي"يرى ان وطار كان يتفنن في وصف شخصية الإسلامي ووصمها بكامل الانحرافات النفسية. ربما ما يزعج في وطار هو صراحته السياسية، على رغم من أنه متخرج من الحزب العتيق"حزب جبهة التحرير الوطني"برتبة"رقيب"حتى الآن ولا أحد فهم معنى هذه الرتبة وكلما ثار خلاف بين كاتب ووطار استعمل هذه الرتبة للتهجم عليه،"لقد كان مراقباً في الحزب الوحيد في البلاد". ومراقب في الذهنية الجزائرية تعني كل أشكال الظلم والعقاب في زمن الأحادية السياسية. وطار بقي دائما ينفر من هذه العبارة ويعتبرها من نسج خيال بعض الأدباء السبعينيين الذين كانوا يكتبون تقارير على إخوانهم الكتاب الجزائريين. صراحة وطار جلبت له مواقف معادية فحتى عندما أطلق الإرهابيون الرصاص على الكاتب الجزائري مرزاق بقطاش، ونجا من الموت بأعجوبة، ذكّر وطار جميع المنددين بوضع الكاتب بأن بقطاش عضو في المجلس الاستشاري، أي أنه في السلطة، وأن من أطلق عليه النار أطلقها على ممثل السلطة وليس على الكاتب، على رغم أن بقطاش كان صديقاً حميماً لوطار، ومؤسساً لجمعيته الثقافية الجاحظية، ووطار أعتبر أبا السبعينيين، مثل أمين الزاوي وواسيني الأعرج وجيلالي خلاص.. ولكنه في كل مناسبة كان يقول بأن هذا الجيل الذي خرج من معطفه لا علاقة له بالإبداع، وما كان يثيرهم لشهور. وطار مستفز لايتوقف عن الاستفزاز وكانت آخر جولاته مع الروائي رشيد بوجدرة، ولقد بلغ التهجم ذروته، مما دفع بوجدرة إلى اتهامه بالعقم، لكن وطار الذي عادة ما يكون رحيماً مع بوجدرة هدَّده بالتوجه الى العدالة إن لم يكف. وآخر هجوم نفذه وطار كان على واسيني الأعرج، اذ نشر حلقتين في إحدى الجرائد اليومية يتهم فيها واسيني بسرقة عناوين رواياته من آخرين، كپ"حارسة الظلال"من"الظل الحارس"لمحمد ديب. أعلن وطار منذ أسبوع فقط أنه انتهى من كتابة الجزء الأول من مذكراته وقال فيها أشياء خطيرة جداً، حيث يتحدث عن السياسيين والأدباء الذين اضطهدوه طوال حياته، وقال ايضاً في تصريح صحافي بأنه مستعد بعد صدورها للمواجهة. لا أعلم متى ستصدر هذه المذكرات، ومن سينشرها، لكني متأكد أنها ستثير خلافات، وستدفع الرجل من جديد إلى المشهد، ولعل أهم شيء في هذا الأمر أنها ستكون المذكرات الأدبية الأولى لكاتب جزائري، إنها إذاً خطوة جديدة في مساره الأدبي.