منذ أن سجل التاريخ تشييد قصر الحكم، في عهد الحكومة السعودية الثانية العام 1160ه، مروراً بالعام 1319ه، الذي كتب ميلاداً حقيقياً لمدينة الرياض، التي أرسى دعائمها الملك عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، وحتى عند عصرنا الحاضر، يقف هذا القصر والمنطقة المشيدة حوله، كقيمة تاريخية عظيمة نابضة بعبق التاريخ والحياة، وشاهداً على التطور السياسي في السعودية. استقر"قصر الحكم"، منذ نشأته الأولى في قلب الرياض، إذ كان مقراً للحاكم وملتقى المواطنين بقادتهم وولاة الأمر فيهم في عهد الإمام تركي بن عبد الله، الذي انتقل إلى الرياض لتكون عاصمة لبلاده بدلاً من الدرعية، فقد سكن الإمام تركي قصر الحكم إلى أن توفي عام 1249ه، وسكنه بعده الإمام فيصل بن تركي حتى وفاته عام 1282ه، ثم سكنه مؤسس الدولة السعودية الثالثة الملك عبد العزيز، طيب الله ثراه، بعد أن تمكن من استرداد الرياض في 5 شوال 1319 ه، وأدخل عليه بعض التحسينات والتعديلات. وبدأ الملك عبدالعزيز، رحمه الله، من أن سكنه، في زيادة بنائه وتوسعته على مراحل حتى أصبح قصراً كبيراً وواسعاً، وبني حوله قصوراً أخرى لعائلته. كما شيد قصراً كبيراً أمام قصر الحكم من ناحية الشمال خصص للوافدين من الضيوف، وبني ثلاثة جسور مسقوفة بالأخشاب واحد منها يصل إلى المصلى القائم فوق منبر امام وخطيب الجامع الكبير ليؤدي فيه الصلاة مع مرافقه وخدمه، والجسر الثاني إلى قصر الضيوف والثالث إلى بعض بيوت عوائله، وبقى المؤسس ما يزيد على ثلاثين عاماً ثم رحل مع جميع عائلته ودوائره إلى قصور المربع عام 1375ه. وكان قصر الحكم في الماضي، يستخدم كمقر لإدارة الحكم وسكن للحاكم وأسرته وخدمه، وإليه ترد المكاتبات والرسائل، وفيه يستقبل القادمون والوفود من خارج البلاد، وعنه تصدر الأوامر والقرارات ذات الشأن في تسيير الدولة، واتخذ جزءاً من هذا القصر داراً للضيافة، وجعل فيه مطبخاً سلطانياً كبيراً لفقراء البلدة وطلبة العلم وللوفود من خارج البلاد، وقد ساعد وجود القصر في وسط المدينة على تسهيل أمور الناس وضبط الأمور وإتاحة الفرصة للحاكم لكي يتصل برعيته بسهولة ويسر. لقد حملت منطقة قصر الحكم، العديد من الأماكن والأحداث التاريخية للدولة السعودية، كما أنها تمثل المسرح الأبرز لمعالم الرياض القديمة التي تحيط بها الأسوار، بيد أنها مع مرور الأعوام وتغير الزمان، شهدت الرياض طفرة اقتصادية وعمرانية وانتشار للأحياء الحديثة، الأمر الذي أوجد معاناة لتاريخ منطقة قصر الحكم، سواءً من ناحية هجرة السكان وقلة البرامج الاجتماعية والاقتصادية وضعف اهتمام السكان في المنطقة، حتى قررت الحكومة إعادة إحياء المنطقة من جميع الجوانب. وتولت الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، برئاسة أمير منطقة الرياض الأمير سلمان بن عبد العزيز، مهمة تطويرها، انطلاقاً من دورها الريادي في تخطيط وتنفيذ مشاريع الرياض ذات الطابع الخاص، كما وجهت اهتمامها بوسط المدينة الذي هو بمثابة القلب النابض، والذي بدأ يفقد وظائفه الرئيسية، ويعاني من هجرة سكانه الأصليين إلى مناطق أكثر حداثة. وقد سارت خطط واستراتيجيات الهيئة العليا، نحو إعادة تطوير وسط المدينة بدءاً من المركز أو النواة والمتمثلة في منطقة قصر الحكم، تأكيداً لدور هذه المنطقة كمركز إداري وثقافي وتجاري لمدينة الرياض، العاصمة، وذلك من خلال رفع المستوى العمراني لهذه المنطقة، وتحسين مظهرها، وتسهيل الوصول إليها من خلال تحسين حركة النقل والمشاة فيها، وتعزيزها بالخدمات والمرافق العامة، والمحافظة على العناصر والمواقع التراثية والتاريخية بها، وكذلك تهيئة المقار الملائمة للأنشطة الدينية والرسمية والإدارية. وقد تم وضع استراتيجية شاملة للعمل التخطيطي الخاص بإعادة تطوير منطقة قصر الحكم، اعتمدت على عدد من العوامل والحقائق التي أظهرتها الدراسات التفصيلية للمنطقة، تتمثل في التوجه نحو التقليل من نزع الملكيات إلى الحد الأدنى بغرض إفساح المجال لدور القطاع الخاص الاستثماري، والرغبة في الاستجابة لقوة السوق وواقع العرض والطلب، وتحقيق أهداف التوجهات العامة بأن يكون الاتجاه نحو التجديد والتحسين العمراني وليس إعادة البناء للمنطقة، بحسب الهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض. واعتمدت الهيئة البرنامج التطويري المرحلي الذي حقق الاستراتيجيات المطروحة لتطوير هذه المنطقة، بحيث جرى تنفيذه على مدى قريب ومدى بعيد، ويتكون هذا البرنامج من ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: ركزت على إنشاء المقار الإدارية الرئيسية في المدينة ذات العلاقة الوطيدة بالسكان، لتأكيد وتفعيل الحركة والنشاط في المنطقة"فشملت إنشاء مقر إمارة منطقة الرياض، وأمانة منطقة الرياض، وشرطة منطقة الرياض، والمرحلة الثانية: ركزت على إعادة تطوير منشآت ومقار تاريخية وتراثية وتهيئة المنطقة بالخدمات والمرافق العامة كالطرق الرئيسية التي تربط المدينة بوسطها، وكذلك إنشاء الساحات والميادين العامة وترميم الأماكن التاريخية، أما المرحلة الثالثة فقد ركزت على إعادة التطوير من خلال إتاحة الفرصة لاستثمارات القطاع الخاص بعد أن حظيت المنطقة بثقة مطوري هذا القطاع، وذلك بعد إتمام تنفيذ المرحلتين الأولى والثانية، حيث أنشِئ خلال هذه المرحلة مقرات بعض الجهات: كالمحكمة العامة، والدفاع المدني، ومسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وميدان دخنة، وتطوير سوق الزلّ، إضافة إلى سبعة مجمعات تجارية حديثة. ويمثل مشروع تطوير منطقة قصر الحكم نجاحاً بارزاً في إبراز ملامح الماضي العريق في ثوب عصري ملائم، ومن خلال جولة في هذه المنطقة ستبرز معالم مركز حضاري نشط استعاد نشاطه وحيويته من خلال برنامج التطوير، طبقاً للهيئة العليا لتطوير منطقة الرياض.