في نهاية كتابه "بيروتالمدينة المستمرة" صدر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف يتساءل الشاعر والإعلامي زاهي وهبي عمّ يمكن أن يضيف الى ما كتبه كثيرون عن المدينة ولها، قبل الميلاد وبعده؟ ويجيب أنه لو قُدّر له إضافة جملة واحدة لأضاف"بيروتالمدينة المستمرة"تعبيراً عن فهمه لواقع المدينة. وهذه الإضافة هي خلاصة ربع قرن من معرفة المدينة وعيشها بكل تفاصيلها. وهي رسالة الكتاب الذي ينوف عن 270 صفحة خاض فيها الكاتب في أحوال المدينة، وصمودها في وجه الحرب وإفرازاتها، وتحمُّلها ظلم ذوي القربى وتربّص الآخرين بها، ورصد تأثيرات الحرب في المكان وأهله، وتوقف عند الدور التاريخي لبيروت. وهو في ذلك كله يقوم بمهمة الدفاع عن المدينة في مواجهة محاولات التنكر والتربص والجحود والعقوق والظلم والتهميش والتهشيم والتعليب والتدجين... أياً كان مصدرها، ليلعب في النهاية دور القاضي الذي يصدر حكماً مبرماً لا يقبل الاستئناف والتمييز، وهو أن بيروت مدينة مستمرة. وزاهي يحشد في دفاعه كماً كبيراً من الحجج والوقائع والأدلة والبراهين مما خبره بنفسه أو وقعت عليه يده في تاريخ المدينة وحاضرها. فهو بيروتي منذ أكثر من عشر سنوات، يمارس بالكتابة فعل إيمانه بالمدينة وانتمائه اليها، ويعيد لها، في بادرة وفاء، غيضاً من فيض ما أعطته. لذلك،"هذا الكتاب هو نتاج معايشة ومشاركة. انه قراءة من داخل لا من خارج"ص 22. في مقدمة الكتاب، يشهر وهبي الكتابة ضد الموت، ويعلن انحيازه الى كتابة الحياة، ويرى تلازماً بين الكتابة والحرية وبيروت، على أن الحرية هي القاسم المشترك بين النص والمدينة، هي شرط الكتابة لتتحول الى فعل حياة، وهي شرط المدينة لتكون. وبهذا المعنى، فإن الكتابة بما هي فعل حياة تصبح مرادفاً لبيروت بما هي فعل كيونة مستمرة. وعليه، فإن الحرب بكل جبروتها لم تستطع الحؤول دون استمرارية المدينة، وهذا ما يعالج وهبي في"الفصل"الأول من كتابه، متوقفاً عند دور جيله/ جيل الحرب في حياة المدينة الذي جمع بين الجلاد والضحية، راصداً، التحولات التي أحدثتها الحرب في مواقف المثقفين، متلمّساً آثارها على جسد بيروت وروحها، مؤكداً على دورها المستمر. في الكلام على"أحوال"المدينة، يعكس وهبي خيبات جيله وانكساراته، في نوعٍ من سيرة خاصة/ عامة، ويبدو كمن يتلو فعل الندامة عن ذنب/ ذنوب ارتكبها جيله أو دُفع الى ارتكابها، فيغدو النص نوعاً من التكفير الذاتي/ الجماعي أو نوعاً من التوبة الى المدينة وعودة"الابن"الضال اليها. ففي هذه المكاشفة الخاصة/ العامة يقول:"... مشينا الى موتنا زرافات ووحدانا، ولم نوفر في طريقنا بشراً أو حجراً..."ص 36. وهنا، يغدو موت الآخر موتاً للذات، ويستوي الجلاد والضحية في المصير نفسه. ويمارس وهبي نقداً ذاتياً/ جماعياً لا يتنصل من المسؤولية عن مصير المدينة:"وبيروت لم تنجرف الى جحيمها والى وطيس الموت والدمار لو لم نصدق، نحن، كل الأوهام والشعارات التي زيّنت لنا موتنا..."ص 35. ولعل هذا التصديق هو ما أدى الى ضياع جيل الحرب وخيبته وانكساره، فغدا معلّقاً بين ماضٍ مزدهر لم يعشه، ومستقبلٍ موعود لم يحققه."نبحث عمّا كنّاه فلا نجده، نبحث عمّا كنا نتمنى أن نكونه فلا نجده، ونضيع في المنطقة العازلة بين الماضي والمستقبل..."ص 37. في قراءة أحوال المدينة جرّاء وقوع الحرب عليها، ثمة تحولات يرصدها الكاتب منتقداً السلبي منها، وهو الغالب. وفي هذه التحولات: تحول كوادر الحرب الى مثقفي السلم مما يسميه بپ"الحصبة الثقافية"، تحول المراكز الحزبية الى منتديات ثقافية، انتقال المتاريس الى النص النقدي، الانفصام بين مقولات بعض الكتّاب ونتاجهم الإبداعي، انتقال العنف الى السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية، سيطرة العلاقات غير السويّة بين المثقفين والخلط بين الموقف النقدي والموقف الشخصي... توزع العلاقة بالمكان بين الانتماء واللاانتماء، وانقسام التعاطي مع الحرب بين اتجاه ثقافي تجاوزي وآخر عاكس لها في النص الابداعي... وتحول الأحزاب الى طوائف... وعلى رغم هذه التحولات، يؤكد الكاتب على استمرار دور المدينة الثقافي. على أن بعض الخلاصات التي يجردها الكاتب قد تحتاج الى إعادة نظر أو إعادة صوغ على الأقل، فهو، على سبيل المثال، يدعو الى"إعادة ترداد الكثير من المسلمات..."ص 48، بينما المطلوب إعادة النظر في الكثير من المسلمات وفحصها في ضوء المتغيرات والوقائع الجديدة. وهل وظيفة المثقف ترداد المسلّمات أم فحصها باستمرار وإخضاعها لمبضع النظر العقلي؟ وفي معرض دراسته أسباب الحرب يستنتج"أن الحرب لم تبدأ إلا حين وصل سجالنا الى مأزق منتصف السبعينات وانقطع كلامنا الواقعي ليحل مكانه كلام الأسطورة. أي حين ترك المفكرون والمثقفون المسألة لأهل السياسة". ص 138. وهنا، نتساءل: من الذي صنع الأسطورة؟ أليسوا المثقفون والمفكرون من طراز سعيد عقل وشارل مالك وإدوار حنين وسواهم؟ ثم ألم يكن بين السياسيين مثقفون ومفكرون من طراز كمال جنبلاط وسواه؟ لعل الأصح أن نقول إن الحرب بدأت حين اصطدمت الأسطورة بالواقع. وإذ يأخذ وهبي على مثقفين رجعيتهم وتوقفهم عند حدود الورقة والحبر، وينتقد مواجهة إفرازات العصر وتحدياته بأدوات بدائية، يدعو المثقفين الى مواكبة مصادر المعرفة الجديدة وتكنولوجيا المعلومات، ويدعو المتزمتين الى ثورة في التفكير، والى ثورة اجتهادية تقرأ النص في ضوء المتغيرات في زمن سقطت فيه الجغرافيا واستجلب دبّ العالم الى كرم غرفة النوم.