تذهل أمام قدرة اللبناني، الكادح ومعظم اللبنانيين من الكادحين فلا تغشنك المظاهر البراقة على ادارة نوعين من الخطاب في ردح قصير من الزمن، في برهة واحدة، من دون أن ينتابه أدنى شعور بالتناقض. فهو قد ينتقل بسرعة فائقة من حالة الانتشاء والشعور بالعظمة لدى تلفظه باسم زعيمه أو أحد أعوانه، أو لدى استعراضه مآثر هذا الزعيم ومهاراته الاستثنائية وعبقرياته، متباهياً بمجرد معلومة، غير أكيدة، رشحت عن مجلسه وجاءته بالتواتر، ولا يعلم بها سوى"الراسخون في العلم". وسرعان ما ينتقل من هذا التحليق، الى شتم وذم كل من يدعي تمثيل الشعب، من دون تمييز بين الفريق الذي يناصر، أو ذاك الذي يعادي، متفادياً بذلك الاستفراد بمرجعه السياسي، وتوريطه دون غيره، متحولاً برمشة عين من عضو في رعية الى شبه مواطن، الى مواطن كامن. يعود هذا الانتقال الهذياني بين خطابين متنافرين الى بؤس اللبناني اليومي والى مطرقة الحاجات المادية المبتذلة التي تجعله في صراع حقيقي من أجل البقاء، فيما هو يصبو الى الارتقاء الى عظمة قادته وفخامتهم، و"رسوليتهم". يتزايد هذا البؤس اللبناني اليومي الذي تطمسه الأزمة السياسية ويساهم المستهلك نفسه في طمسه، على وقع الارتفاع الجنوني لأسعار السلع على انواعها، الأمر الذي يجعل الحرمان وطنياً، وأكبر من شعار مرحلي، فئوي، لبلوغ سدة السلطة. يظل هذا الحرمان قولاً مجرداً وهلامياً الى أن يتجسد في أمثلة حية، ماثلة أمام الاعين، فهو يحرم المستهلك اللبناني حقه في الغذاء الصحي المتكامل، وفي الاستشفاء نظراً الى ارتفاع أسعار الدواء، وفي التنقل ساعة يحتاج وفي التدفئة السليمة، لغلاء أسعار النفط، وفي التواصل، نظراً لارتفاع كلفة التخابر، وفي اقتناء سيارة، تفادياً لدفع رسوم التسجيل والميكانيك، ومرة أخرى تفادياً للاحتراق بسعر المحروقات، وفي الاضاءة اللائقة لارتفاع سعر كيلواط الكهرباء، وحتى في العدالة بعد أن ارتفعت رسوم الاجراءات القضائية، وكأن اللجوء الى القضاء ترف... نسرد بعض الضروري والأساسي دون الثقافي والترفيهي الخ... عملياً، كل الأسباب تضافرت لتزيد بخفة فائقة كلفة حياة اللبنانيين، الضرائب التدريجية"الحداثية"ال T.V.A التي تستبق المستقبل لترتفع الى 12 في المئة عام 2008 ومن ثم الى 15 في المئة عام 2010، القيمة المضافة، بدل العشر والخراج والسخرة والهدايا والمعايدات والميري ومختلف أنواع البلص، تلك الضرائب التي كان يفرضها المقاطعجيون أيام الحكم العثماني. والى"القيمة المضافة"يضاف الارتفاع العالمي لسعر النفط، وارتفاع سعر اليورو، وفوضى أسعار معززة بحق الاحتكار التجاري الذي يقطع الطريق على المنافسة والمزاحمة، وعلى الليبرالية الاقتصادية الفعلية، التي يتغنى بها لبنان أو بالأحرى رأسماليوه. كل هذه العوامل حولت المخازن الى أقبية تعذيب، وكل ممارسة استهلاكية الى هتك للمداخيل المحدودة، أو المحدودة جداً، والى تمرين صعب يؤدي الى التحايل على الحاجات أو توريتها وربما انكارها، كأن تتحول مقاومة الصقيع الى ترف، فيفرض مثلاً غلاء موارد التدفئة، على اللبناني المعوز، الاستسلام الى أهواء الطبيعة، هو الذي علمته الحداثة كيف يسيطر عليها، والاكتفاء، في أحس الاحوال، بالتدثر بأغطية، على الأرجح، رقيقة ومتهالكة. ليس عدم التناسق بين مداخيل عامة اللبنانيين وكلفة عيشهم بالأمر الجديد، وهي تعود في العقد الأخير، الى السياسات الضرائبية الناشطة، والتي طاولت كل وجوه الاستهلاك، المادية وغير المادية، كالرسوم على المعاملات الرسمية، وعلى السلع الثقافية السينما وغير ذلك، وتهدف هذه الفنون الضرائبية الى اطفاء نار ديون وفوائد ديون تراكمت بفعل الفوضى والهدر والفساد، تم توظيف النزر اليسير منها في التنمية، وفي أي حال لم يقرر المواطن العادي الاستدانة ولم يشترك في ادارة الدين، ولم يهدر أو يختلس، ويكلف فوق ذلك بالمساهمة في اطفاء هذه الديون. وتندرج هذه الضرائب ضمن نظام ضريبي يضع العبء على الطبقات الشعبية وأصحاب الدخل المحدود، كونه يستثمر في الضرائب غير المباشرة، لا في تلك التي تقع على المداخيل، التي تساوي بين المستهلك الثري والمعدم أمام السلعة الواحدة. ويستنتج بعض الاقتصاديين ان 80 في المئة من عائدات الضرائب يدفعها الفقراء ومتوسطو الدخل، فيما يقع ما تبقى على الاثرياء. وبالتالي، وبدل أن تساهم الضرائب في اعادة توزيع الثروة كما يحصل في بعض البلدان الديموقراطية، فهي تزيد الهوة بين الفقراء والاثرياء. تقول الاحصاءات ان 10 في المئة من اللبنانيين يملكون 90 في المئة من ثروات البلاد! كيف؟ ومن جهة أخرى لا يبرر بعض الاقتصاديين حجم ارتفاع اسعار السلع المستوردة ولبنان بلد مستورد بامتياز الذي يرونه يتجاوز نسبة ارتفاع سعر اليورو كما نفسه ارتفاع سعر النفط ونسبة الضربية المضافة، ويردونه الى نظام الاحتكارات الحصرية المعمول به، والذي يحول دون المنافسة الحرة، التي يعول عليها أنصار النظام الليبرالي كوسيلة لخفض الأسعار وتطوير السلعة، ومن يبحث في هذا الشأن يرى أن لبنان الدولة الوحيدة في العالم، التي وضعت تشريعات تحمي الوكالات الحصرية بالقوانين، وهذه الاحتكارات المقننة الحصرية واخرى غير مقننة تحميها المافيات، مما دفع وزير الاقتصاد في الآونة الأخيرة الى اطلاق صرخة"افتحوا السوق أمام المنافسة"... السلطة الرسمية تدعو الى فتح الأسواق! من يغلقها اذن؟ ومن يسأل عن فتحها؟ أية أشباح؟ هل ما سمي"جمهورية التجار"أقوى من أية سلطة سياسية؟ أم هما وجهان لعملة واحدة؟ وهل يبقى النظام الاقتصادي ليبرالياً اذا قام على الاحتكارات؟ هذا التعسف يتم في ظل الاصرار على تثبيت الحد الأدنى للأجور، وفي ظل تثبيت الأجور عموماً، فلم ترتفع أجور موظفي القطاع العام، مثلاً منذ العام 1996. الاجراءات الصلفة والتمييزية، القديمة والحديثة، تم ويتم امتصاصها من جماهير تئن وتتذمر بصوت خافت من دون أن يفضي ذلك الى موقف، الى حراك مطلبي حقيقي، صادق، كأن هذا الشعب الساكن اجتماعياً، من دون ذاكرة مطلبية واحتجاجية وحتى ثورية، حاشدة ومرموقة، كانت تجهد في كسر حاجز الطائفية وفي القفز فوق الحواجز على أنواعها، هذه الذاكرة التي تعود في التاريخ القريب الى مرحلة العشرينات، مرحلة انشاء دولة لبنان الكبير، امتداداً الى عام 1975، عام اندلاع الحرب الأهلية، والتي استهدفت فيها الاحتجاجات سياسات الحكومات الضرائبية، وسياسات حماية التجار وأرباب العمل والاقطاعيين عكار والجنوب وحتى رجال الدين في الأديرة اولئك الذين يستخدمون الفلاحين في الممتلكات الوقفية. واذا شئنا العودة الى عاميات القرن التاسع عشر نجد ان بعضها كان ناجماً عن وعي طبقي خالص كعامية زحلة 1858 وكسروان 1859 التي تقدمها طانيوس شاهين، والتي لا تشغل لا هي ولا سابقتها المكانة التي تستحقانها في الذاكرة اللبنانية المعطوبة، كأن هذا الشعب من دون ذاكرة عالمية، تاريخية وراهنة، وخال من أي ثقافة احتجاجية. واذا نظرنا الى الحراك المطلبي بين عامي 1990 و 2005 حصراً، نجد ان النقابات، التي تشكلت عالمياً وتاريخياً كدليل على تطور الديموقراطية السياسية والاجتماعية في الدول الليبرالية لتسمح للتجمعات المهنية على أنواعها بالدفاع عن مصالح أعضائها، استعملت، خلافاً لوظيفتها الجوهرية، كقوة ضاغطة رئيسة معارضة ومراقبة، لضبط العمال وتكييف حراكهم مع رغبات سلطة الأمر الواقع وسلطة الوصاية. وسلطة الأحزاب المتآلفة معها، ثم عملياً الاستمرار في تأطير العمال، ليتم توظيفهم عند الضرورة في الصراع السياسي، لابتزاز الخصم، أو حتى الحليف المتمرد، كما حصل في تظاهرة 27 أيار مايو 2004 حيث استهدفت آنذاك حكومة الرئيس الحريري، علماً أن التظاهرة الشهيرة انتهت بمقتل بعض العمال، ولا يزال الغموض يلف حتى اللحظة تلك الحادثة، فالسؤال كان ممنوعاً ولا يزال! وتعتبر الفترة الممتدة بين 14 شباط فبراير 2005 حتى اليوم مثالية لاسكات الاصوات الاعتراضية وإلزامها بالاحتشام، فلا التوتر يتيح التفكير والتأمل بعقل بارد، خصوصاً عندما يتعلق الامر بالمأخوذين تماماً بالازمة السياسية وتفاصيلها ولا بنية النقابات والاحزاب مؤهلة لتنظيم الناس من أجل حقوقهم الحياتية والمهنية، ولا تعتبر تظاهرة 10 أيار مايو 2006 المفاجئة التي قامت بها الاحزاب الحليفة لسورية حركة حقيقية، على رغم شعاراتها الاجتماعية، فهي كانت بمثابة عملية تزييت لخطة المعارضة، وشكلت بمعنى ما، التدبير الاول في استراتيجية العصيان المدني التي اختطته المعارضة لنفسها للضغط على الحكومة الحالية، ثم غابت الشعارات الاجتماعية عن تلك التي يرفعها ويدافع عنها المعتصمون في ساحات سوليدير، وكأنها لم تكن، أو كأن المطالب التي كانت مرفوعة آنذاك لبيت! وفيما يشغل اللبناني المقهور بمطالب زعمائه وممثليه في الندوة البرلمانية وصراعهم على السلطة، لا شيء يلهي هؤلاء المتصارعين عن الاستمرار في السياسات التي تحفظ مصالحهم وامتيازاتهم، فهم يديرون الازمة ويستمرون في ادارة مصالحهم ويحسنون ادارة الجماهير لأجلها في آن، تماماً كما كان المقاطعجيون في القرن التاسع عشر يستخدمون الفلاحين لتصفية الحسابات في ما بينهم وعند الضرورة، يتحالفون، ما ان تخامر فلاحيهم فكرة التمرد أو أدنى رغبة في رفع الظلم وتخفيف الاستبداد. ولكن فكرة التمرد هذه لا تخامر منتجي لبنان اليوم. وفي علاقة جدلية، يتزامن وهن البنى الاجتماعية، النقابات والاحزاب، للتعبير عن مصالح العمال والاجراء ووهن وعي اللبناني، الاجتماعي، لدرجة جعل هذا الاخير مأخوذاً بالقيم الرمزية والشعارات والمهمات الكونية، مزدرياً بالمقابل متطلبات الحياة اليومية، الوجودية. واذا حدث ان دافع عن مطالب سياسية وطنية محقة كالمطالبة باستقلال القرار الوطني ووحدة الدولة، الا انه لا يستطيع، خلافاً لزعمائه، التوفيق بين مثله الوطنية وبين متطلبات وجوده الواقعي، المادي، الأرضي النوعي Generique، فهو بمعنى ما لا يستطيع ان يدور حول شمس نفسه ومؤهل كي يدور حول شموس الآخرين، مهللاً لقيم رمزية مجردة، متجاهلاً حقه البديهي في خيرات البلاد، وفي إشباع حاجاته على انواعها، اذ لا قيمة للمثل الوطنية كالاستقلال والسيادة والحرية ولا حتى لتحرير الأرض ما لم تؤد الى تطوير عيش المواطن وتفتح شخصيته، وكل هذه المعاني لا تستقيم مع حال مواطن لا يستطيع إشباع حاجاته الأساسية، التي لم تبق مع الوقت محصورة بالحاجات الأولية بفعل التطور التكنولوجي: هل الكومبيوتر سلعة كمالية؟ ومراوحة اللبناني بين خطابي الاعجاب والشتم، اللذين يتعذر التوفيق بينهما، خلافاً لموضة"التوفيق"الرائجة، لا يعول عليها وليست سوى محاولة تنفيس محدودة. ليست سوى تعويذة عابرة، لا يبنى عليها غير بيوت من كرتون. نكتب لاننا لا نؤخذ بشعار"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، ولأننا نعتقد ان الديموقراطية الاجتماعية هي مآل ومغزى أي شوق الى الديموقراطية على ان تتزامن مع ورشات تنمية... والتنظير الذي لا يقبض على اللحظة المعاشة ولا يسمي الاشياء باسمائها ولا يعنى بالأمثلة الحية، يتحول الى ترف ولغو وغيب. * كاتبة لبنانية