من ينتظر، من المشاهدين، ان يلتقي مثقفاً عربياً، أديباً وفناناً أو مفكراً، على شاشة الفضائيات العراقية فإنه سيعود بخيبة الأمل... ذلك أن ما يجري في كواليس هذه الفضائيات، على ما يبدو، هو الاتفاق على تغييب هذا المثقف من برامجها التي أخذت نفسها بمنحى واحد، وإن اختلفت صياغاته باختلاف توجهات هذه"القنوات". حتى ان المشاهد المعني بالفكر قد يتساءل: هل انتهى دور المفكر والأديب في واقع لم يعد القائمون على شؤونه يهتمون بالفكر في ما يحمل، افتراضاً، من رؤية تحليلية تكشف الزائف في هذا الواقع، وتواجه عمليات تزييف الوعي الإنساني للمجتمع؟ فإذا قدمت الأديب الحقيقي وليس المقاول على الشاشة، فإن ذلك يعني انك تقدمت للواقع الاجتماعي برؤيا تجاوزية همها ان تؤسس لما يبقى، وتعرّي ما تشكل تعريته"تنظيفاً"لهذا الواقع العربي من كثير مما اعتراه من زيف. وبديلاً من هذا تستعيض معظم الفضائيات العراقية، ومعها فضائيات عربية، بمن تريد ان تصنع منهم"أصحاب رأي"، وإن كانوا لا يمتلكون من شروط الفكر شيئاً... فإذا ما تحلّيت، أنت المشاهد، بالصبر والجَلَد الكافيين للاستماع الى ما يقوله هذا أو ذاك - وغالباً ما يكون بلغة متشنجة وأعصاب متوترة - فإنك لن تكتفي بالرثاء لهم وللأفكار التي يعبّرون عنها، بل ستجد نفسك قادراً، وبسهولة، على اكتشاف بؤس الواقع السياسي الذي يمثلون، وبؤس هذه الفضائيات في ما اصطنعت لهم من أدوار... ولم يعد، والحال هذه، حساب يحسب لما يقال من كلام، سواء في ما للكلام من أخلاقيات، أو ما يفترض أن يبنى عليه من مواقف مسؤولة. أمام هذا الطوفان اليومي وجد المفكر الحقيقي والأديب والفنان أنفسهم في مأزق. فمع إيمانهم بأن ما يعرف بالمسؤولية التاريخية لا تزال بالنسبة اليهم تمثّل حالة لا يمكن تجاوزها، يجدون كل ما يناقضه هو السائد ? وقد أضحى"شرطاً"لبعض هذه الفضائيات! ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ نجد أن ما يسمونه"المحلل السياسي"أو"الكاتب"يتكلم في كل شيء، وفي أي شيء يراد منه الكلام فيه. فهو"تحت الطلب"، وتجد فيه هذه الفضائيات ضمن وضعه هذا"عنصراً مطلوباً"من دون ان تعمل على"تحسين لغته"أو"العناية بثقافته". فإذا كان هذا هو السائد، وما يجري التركيز عليه... أين منه المفكر الحقيقي، والأديب والفنان؟ لا شك في انهم غرباء في هذا"العالم الفضائي"الغريب على لغتهم ورؤيتهم وقد اختلط فيه الجهل بالزيف، وأخذت معه"لغة السياسة"منحى أقل ما يقال فيه انها تزوير للواقع. إن غربة المفكر الحقيقي والأديب الحقيقي في عالم هذه الفضائيات غدت غربة مزدوجة: فهي غربة عن اللغة السائدة في هذه الفضائيات... كما هي غربة عن واقع، وفي واقع أصبح مفتوحاً لهزيل الرأي، وأمام الذين يهرفون بما لا يعرفون. ولكن... مع هذا ينبغي ألا ينسحب هؤلاء من هذا الواقع - الذي يقع ضمن مسؤوليتهم التاريخية، فهذه المسؤولية تحتم عليهم تأكيد أنفسهم: وإعادة الحقيقة الى واقع يكاد يفقد الحقيقة. فنحن اليوم، في هذه الفضائيات، وفضائيات أخرى، نعيش ما يمكن ان نسميه"حالات انفلات الكلام"التي قد لا تنتج إلا نظيرها: حالات انفلات المجتمع. وعلى هذا فنحن أحوج ما نكون اليوم الى فكر يبني، ومعرفة تجعل للعقل دوره. أما إذا تركنا الواقع على ما هو عليه اليوم، فإن الأسوأ هو ما سيتقدم المشهد، ويكون صاحب الدور. فهل تتنبّه فضائياتنا الى هذا؟