فور خروجي من مطار شارل ديغول في باريس وجدت في انتظاري فيليب، الشاب الفرنسي الذي تعرفت إليه فيما كان يقضي عطلته في بيروت. ذهبنا توّاً الى الشقة التي يملكها في الدائرة التاسعة عشرة من باريس، من أجل أن أشاهدها على حقيقتها بعد أن كنت رأيتها في صور أرسلها هو لي عبر الانترنت. كان قال لي، وهو بعد في بيروت، ان عليّ أن أقرر بسرعة ان كنت سأستأجرها أم لا، إذ أن مطلع شهر أيلول سبتمبر موعد حاسم لتأجير الشقق ولا ينبغي التأخر عنه. كانت قريبة من الجامعة حيث سأدرس، وأهلي في بيروت قالوا انها أكثر من مصادفة أن ألتقي بفيليب، هكذا في بيروت، هو الذي يريد تأجير شقة في تلك المنطقة. رأيت الشقة. بعد ساعة أو أكثر قليلاً كانت قد تمت المعاملات البسيطة وأصبحت شقته بيتي "لسنة أو أكثر"، كما تم الاتفاق. منذ ذلك اليوم أصبحت أنا وشقتي حديث كل من أقابله. أصبحت بالنسبة الى الجميع، اللبناني الذي وجد شقة فور وصوله الى فرنسا. وكان ذلك بالنسبة الي، حدث أيامي الأولى في باريس. كانت تلك الخطوة التي أنجزتها مسرعاً، حدثاً غريباً بحسبهم، حدثاً نادراً، بل باعثاً على الضحك أحياناً. ذلك أن آخر آب اغسطس ومطلع أيلول هو الموسم الذي يعود فيه الى باريس الطلاب الذين أمضوا عطلهم خارجها، تحملهم اليها الطائرات من جميع أنحاء العالم. كل الطلاب القادمين يبحثون في هذا الوقت القليل عن أمكنة لسكنهم. الكل يبحث. معرفة أي شقة هي للإيجار، وما هي مساحتها، وبدل إيجارها وتفاصيل أخرى تبدو سهلة للوهلة الأولى. إذ يُستدل عليها عبر الانترنت، أو إعلانات الصحافة، أو الدعاية المكتوبة في مجلات متخصصة، أو في أماكن مخصصة لذلك أيضاً كجدران الجامعات. ولكن، فعلياً عندما ينطلق الجميع لزيارة المباني حيث الشقق المفتوحة للزيارة، سيكون على الزائرين أن ينتظروا دورهم في صف يبدأ أوله من الطريق ويمتد صعوداً على الدرج لينتهي أمام باب الشقة. سيكون عليهم أن ينتظروا ساعات طويلة. وهم يعرفون أن كلما كان الصف طويلاً أمامهم كلما تضاءلت فرص حصولهم على الشقة. فهناك دائماً احتمال أن يعجب أحد الواقفين قبلهم بالشقة وهو احتمال كبير، فالأولوية هي عادة، لمن يبكر في الوصول. بدل إيجارات الشقق يختلف بحسب المنطقة والحي ومساحة الشقة التي قد تكون مفروشة ببعض الأثاث. الاحتمالات كثيرة على الانترنت والإعلانات، ولكل شقة سعرها. لكن في باريس تبدو الإيجارات خاضعة لنظام ضمني إذ لا تتفاوت أسعار الشقق المتشابهة أو المتساوية. الاستوديو، وهو الشقة المؤلفة من غرفة واحدة مع حمامها وزاوية ضيقة هي المطبخ، يصل ايجارها الى نحو 450 يورو. هذا هو المعدل. وأصحاب الأملاك لا يغتنمون فرصة الازدحام ليطلبوا أسعاراً أعلى. صحيح أن الأسعار في هذا الموسم تصبح أغلى بقليل مما هي في الأوقات الأخرى من السنة، لكن يبدو ذلك السعر المرتفع قليلاً كأنه سعر الموسم ولا أحد يبالغ فيه. فالأولوية إذاً، للمنتظرين في ذلك الصف الطويل، هي لمن يأتي أولاً وليس لمن هو مستعد أن يدفع أكثر. الشقق في باريس ضيّقة كما هي الحال في غالبية العواصم الأوروبية. الشقق المؤلفة من غرفة أو غرفتين متوافرة بكثرة وتملأ البنايات، فهذه هي المساحة التي تناسب الطلاب الفرنسيين ذكوراً وإناثاً، الذين يعيشون وحدهم، والذين يغادرون منازل أهلهم حينما يصبحون في عمر التعلم الجامعي لكي "يستقلوا" بعيشهم. وغالباً ما يلحق بهم أهلهم، هم أيضاً، إذ ينتقلون الى شقق أصغر بعدما تفرغ غرف أولادهم. هذه الحركة، حركة السكن، تحصل في هذا الوقت من السنة. وقد يحدث للأشخاص الباحثين عن مكان للسكن أن يتعارفوا في وقت انتظارهم لدورهم، وغالباً ما يتفق اثنان او ثلاثة منهم على أن يسكنوا معاً في بيت واحد، على ان يأخذ كل منهم غرفة. أما صالون البيت إن وُجد فيكون مشتركاً بينهم، وكذلك المطبخ. رفاق السكن هؤلاء قد يصبحون أصدقاء، وقد يبقون رفاق سكن فقط يعرفون كيف يتصرفون بذلك البيت المشترك. وقد يكون رفاق السكن متفاوتي الأعمار. فرجل في الخمسين مثلاً قد يشترك في السكن مع شاب، أو فتاة، في العشرين. لكنهم جميعاً يعرفون كيف يحافظون على خصوصيتهم وخصوصية من حولهم. البيوت صغيرة وإيجاراتها مرتفعة. السكن ليس رخيصاً في باريس، حتى انه، بسبب أسعار السكن، لا تعود الدراسة في فرنسا مجانية، كما هي حين يتعلق الأمر برسوم الدخول الى جامعات الدولة. الطالب الذي لا يدفع للجامعة يظل في حاجة الى مدخول مرتفع كي يتمكن من أن يتخذ لنفسه مكاناً يمكث فيه. لذلك غالباً ما يعمل الطلاب في أوقات فراغهم، في مجالات بعيدة من اختصاصاتهم الدراسية. والأعمال الصغيرة دائماً متاحة كأن يعمل الطالب مثلاً في مطعم "ماكدونالدز" أو في سوبرماركت أو في صالة استقبال مؤسسة ما. "أنا وجدت شقة في يوم وصولي الأول الى باريس"، قصة لا أنفك أرويها لمن ألقاه، حتى انني في أحيان أقولها كما لو انها شيء لا يصدق. كأنني حصلت على الشقة كما يحصل اللبنانيون على ما يسعون إليه. كأن "الواسطة" هي ما ساعدني على ذلك. الصديق الذي التقيته صدفة في باريس قال لي، بعد أن استقبلته في شقتي، انه انتظر ساعتين على السلالم ليزور هذه الشقة نفسها، وذلك قبل وصولي بيومين. ففيليب، صاحب الشقة، فتحها للزائرين تحسباً لئلا تعجبني حينما أصل. وأنا في داخلها، حينما وصلت، ترددت قليلاً ولم أستطع ان اتخذ قراري بسرعة، خصوصاً أنني لم أكن قد رأيت شقة أخرى ولم يكن في استطاعتي بالتالي ان أقارنها بشيء. اتصلت بصديقة مقيمة في فرنسا وطلبت منها أن تأتي لمساعدتي على اتخاذ القرار. لم تأتِ. سألتني فقط عن مساحتها وسعرها ومكانها. على الهاتف قالت لي ان أسرع في استئجارها قبل أن تكون من نصيب غيري.