"أوروبا وفلسطين: من الحملات الصليبية الى يومنا هذا" صادر عن دار لامارتان في باريس، والمؤلف بشارة خضر وهو فلسطيني الأصل واستاذ في جامعة لوفان - بلجيكا. اعتقد أن عمق هذا الكتاب الجمالي يكمن في زاوية الرؤية التي اختار ان ينظر منها الى تاريخ العلاقة بين أوروبا وفلسطين، فهو يلاحظ أن هذه العلاقة تنطوي على ثابت تاريخي كرر نفسه في خمس مراحل أساسية: الحملات الصليبية والحملة النابليونية والمسألة الشرقية ووعد بلفور وقيام اسرائيل. وهذا الثابت التاريخي قابل للتخليص على النحو التالي ففي كل مرة يتم فيها تسييس العلاقة الدينية أو بالعكس، تديين العلاقة السياسية بين أوروبا وفلسطين، بوصفها الأرض - المهد للديانة المسيحية وللديانة اليهودية، يدفع الفلسطينيون، ومعهم سائر سكان المنطقة، من مسلمين ونصارى ويهود، ثمناً غالياً مادياً ومعنوياً على حدّ سواء. هذا التسييس للعلاقة الدينية وهذا التديين للعلاقة السياسية دفع سكان المنطقة أول ثمن له من خلال الحملات الصليبية التي تتالت فصولها الثمانية على امتداد قرنين كاملين ما بين 1095 و1290 ميلادية. فالحروب الصليبية، عدا ما أحدثته من خراب في أهم مراكز الحضارة العربية - الاسلامية وما أدت إليه من مجازر جماعية في القدس وفي مدن أخرى، أحدثت شرخاً شبه دائم في علاقات السكان المحليين ببعضهم البعض ومهدت بذلك لظهور المسألة الطائفية وما تلاها من مجازر في القرن التاسع عشر. بل ان أثر هذه الحملات الصليبية ارتد على القسطنطينية نفسها التي كانت في حينه عاصمة المسيحية الارثوذكسية، فالصليبيون أعملوا يد النهب والقتل بأهالي القسطنطينية على النحو نفسه الذي فعلوه بأهالي القدس فأوجدوا بذلك شرخاً دائماً أيضاً بين المسيحية الشرقية الأرثوذكسية والمسيحية الكاثوليكية الغربية. وعندما استأنف نابليون في آخر القرن الثامن عشر الحملات الصليبية من خلال الحملة على مصر وفلسطين، دشن فصلاً جديداً في التعقيد السياسي دشن فضلاً والديني للعلاقة بين أوروبا وفلسطين عندما وجه بيانه المشهور عام 1799 الى يهود العالم أجمع يطالبهم فيه بأن يقدموا الدعم لجيشه الذي "شاءت العناية الإلهية أن توصله الى فلسطين ليعيد بناء صهيون وليعيد يهود الشتات الى وطنهم الأصلي". وعندما انفجرت المسألة الشرقية في القرن التاسع عشر وأخذت شكل صراع بين الدول الأوروبية الكبرى على وراثة تركة الأمبراطورية العثمانية المريضة، فقد تدخل عامل الدين من جديد ليحدد لهذه الدول الأوروبية المتصارعة مواقع نفوذ طائفي فادعت فرنسا الحق في الحماية على كاثوليكيي المشرق وانكلترا على بروتستانتييهم وروسيا على الارثوذكسيين منهم، وبذلك أيضاً لعبت هذه الدول الأوروبية دوراً مؤسياً في تحويل المشرق الى بؤرة لمواجهات طائفية كان آخر من دفع ثمنها اللبنانيون في الحرب الأهلية 1975 ما بعدها. وأما وعد بلفور فقد أعطى هذه المرة شكلاً سياسياً لعلاقة اليهود الدينية بفلسطين متوافقاً في ذلك مع الايديولوجية الصهيونية التي كانت أول محاولة من نوعها في التاريخ لتحويل الدين الى قومية. وأخيراً، جاء قرار التقسيم عام 1947 ليحدث، ولأول مرة في تاريخ المنطقة، انقساماً قومياً وجيوبوليتيكياً على أساس ديني. واليوم، وبعد ان تراجع الثقل التاريخي والجيوبوليتيكي لأوروبا فإن الولاياتالمتحدة الأميركية هي التي نصبت نفسها وريثة لأوروبا في تسييس العلاقة الدينية وتديين العلاقة السياسية للغرب بفلسطين. فإسرائيل اليوم تحتفظ بهالة من القداسة في نظر الأميركيين الذين يعتبرون التوراة جزءاً أساسياً من ديانتهم البروتستانتية. والحال أنه في انتظار أن تكتمل عملية نزع القداسة عن اسرائيل لتصير في نظر الأميركيين كما في نظر الأوروبيين دولة عادية، فإن عذابات الفلسطينيين وشعوب المنطقة مرشحة لأن تطول. * كاتب سوري.