ويجمع كل من عمل مع روس في مجال الشرق الأوسط على الاشادة بذاكرته الحادة وذهنه الخصب ومهارته في اخذ الملاحظات وصوغ المذكرات وتقديم المعلومات، اضافة الى تمكنه الكامل من اجراءات التفاوض وأسلوبه الشخصي الهاديء مهما كانت الظروف. تعاقب على البيت الأبيض في العقود الأخيرة الرؤساء رونالد ريغان وجورج بوش وبيل كلينتون، وتعاقب في المرحلة نفسها على وزارة الخارجية جورج شولتز وجيمس بيكر وووارن كريستوفر ومادلين أولبرايت. خلال كل ذلك واصل روس منذ أوائل الثمانينات عمله الدائب في وزارة الخارجية، وقام خلال العقد الأخير بدور متزايد الأهمية ك"الذاكرة المؤسساتية" والمفاوض الذي لا يعرف التعب و"المدير"الذي لا غنى عنه لعملية السلام. مع ذلك فإن العرب لن يأسفوا لرحيله، وذلك لاعتبارين رئيسيين. فهم يرونه رمزا&ً لمدى سيطرة اسرائيل واصدقائها على سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط. كما انه، على مستوى أعم، أصبح رمزاً للنفوذ الذي احرزه اليهود الأميركيون على الحكومة الأميركية، متوازياً مع موقعهم الفريد في دوائر المال والاعمال ووسائل الاعلام والسينما والحقول الأكاديمية والعلمية والأدبية وكثير غيرها من مجالات الحياة الأميركية. لكن دور دنيس روس خلال العقد الماضي يقل بكثير من حيث البروز والسطوة عن دور هنري كيسنجر في النصف الأول من السبعينات، عندما كان أولاً مستشار الأمن القومي ثم تسلم وزارة الخارجية، وصاغ علاقات أميركا مع الشرق الأوسط في شكل يضمن مصلحة اسرائيل. فبعد "أيلول الأسود" في 1970 رقّى كيسنجر اسرائيل الى "حليف استراتيجي" للولايات المتحدة، ثم اغدق عليها المساعدات السياسية والعسكرية والمالية بعد حرب رمضان 1973. وتصاعدت مساعدات اميركا الى اسرائيل من 30 مليون دولار في 1970 الى 2.2 بليون دولار في 1974 - وبقيت على مستوى البلايين منذ ذلك الحين. أما روس فكان أكثر تكتماً من كيسنجر، ولو انه لم يقلّ عنه فاعلية في دعم اسرائيل. ويعزو كثيرون اليه دوراً حاسماً في صياغة قواعد مؤتمر مدريد للسلام في 1991 اضافة الى عملية السلام اللاحقة نفسها. وساعد روس وزير الخارجية وقتها جيمس بيكر على افشال رغبة العرب في عقد مؤتمر دولي واجبارهم بدل ذلك على القبول بمسارات تفاوضية ثنائية، وهو ما كانت تصر عليه اسرائيل. وأصبحت هذه المسارات العنصر السائد في العملية، وساهمت في شرذمة الموقف العربي واضعافه. يقول منتقدو روس ان همّه انصبّ منذ البداية على شكليات العملية نفسها من دون المضمون. وشهدت العملية تحت ادارته تأجيلاً متواصلاً للقضايا الجوهرية في الخلاف العربي - الاسرائيلي، وفي كل مرحلة من مراحل مهمته ك"مسهّل" للعملية ترك لاسرائيل املاء وتيرة التحرك. واذا نجح حتى الآونة الأخيرة في ادامة التحادث بين الطرفين فإنه لم يملك تصوراً لطبيعة التسوية النهائية، عدا تلك التي تسمح بها اسرائيل. لقي روس خلال السنين الأخيرة مساعدة فاعلة من صديقه وزميله مارتن انديك، الذي بدأ حياته العملية، مثل روس، ناشطاً في اللجنة الأميركية الاسرائيلية للشؤون العامة ايباك، اللوبي الاسرائيلي الرئيسي في الولاياتالمتحدة. ونال انديك ترقيات متواصلة في ادارة كلينتون - من المسؤولية عن ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن الوطني الأميركي، الى تعيينه سفيراً في اسرائيل، الى منصب وزير الخارجية المساعد لشؤون الشرق الأدنى، ثم عودته سفيراً الى اسرائيل بناء على طلب رئيس الوزراء ايهود باراك. وشهد انديك أخيراً نكسة مهمة، عندما الغت وزارة الخارجية موقتاً ترخيصه الأمني تحت ضغط من مكتب التحقيقات الفيدرالي أف بي آي. ويرى الطرف العربي أن روس كان أنجح من انديك في تمويه انحيازه الى اسرائيل. سجل فاشل مشكلة فريق السلام الأميركي هي أن مساعيه للسلام منذ مؤتمر مدريد لاقت الفشل الكامل، وذلك بكل المقاييس الموضوعية الممكنة. فقد كان الهدف من مؤتمر مدريد انهاء الصراع العربي - الاسرائيلي. لكن أمامنا الآن، بعد عشر سنوات على ذلك، الصدامات بين الفلسطينيين والاسرائيليين على مستوى من العنف لا يقل عن السابق، ان لم يزد عليه بسبب خيبة الأمل المريرة لدى الفلسطينيين. كما نرى جمود العلاقات السورية - الاسرائيلية على حال العداء، والغاء تونس والمغرب وعمان وقطر علاقاتها المحدودة مع اسرائيل احتجاجاً على وحشية اسرائيل في التعامل مع انتفاضة الأقصى. فيما ألهبت المشاعر وأطلقت صيحات الغضب في انحاء العالمين العربي والاسلامي ضد أميركا وحليفتها اسرائيل - تلك المشاعر التي تعبر عن نفسها احياناً في أعمال مثل تفجير السفينة الحربية الأميركية "كول" في مرفأ عدن. انه بالتأكيد سجل لا يمكن للديبلوماسية الأميركية ان تفاخر به. وكان دنيس روس لعب هذه السنة دوراً رئيسياً في حدثين شكّل فشل كل منهما منعطفاً خطيراً في عملية السلام. الحدث الأول كان قمة حافظ الأسد - كلينتون في جنيف في اذار مارس، فيما كان الثاني قمة كامب ديفيد في تموز يوليو بين كلينتون وياسر عرفات وباراك. وخيب الفشل الفاضح للقمتين الآمال بالتوصل الى السلام، وسمم أجواء المنطقة. والظاهر أن دنيس روس كان من أقنع كلينتون بإمكان نجاح القمتين وحضّه على الدعوة اليهما واستثمار قدر مهم من رأسماله السياسي فيهما. ان من الصعب لشخص من الخارج ان يحكم على دور كل من المسؤولين عن رسم السياسة الخارجية الأميركية. ومن الواضح ان روس لا يساوي في القوة وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت أو مستشار الأمن الوطني ساندي بيرغر. كما انه، من حيث التراتب البيروقراطي، لا يتفوق على الوزير المساعد لشؤون الشرق الأدنى ادوارد ووكر. لكنه بالتأكيد بالغ الأهمية في رسم سياسة واشنطن تجاه المنطقة، بل قد يكون الشخص الأهم في هذا المجال. من هنا، ومهما احتج روس، فالارجح ان العالم سيحمله القسط الأكبر من المسؤولية عن فشل سياسة أميركا تجاه الشرق الأوسط. كافح الرئيس الراحل حافظ الأسد، منذ مؤتمر مدريد حتى وفاته أوائل حزيران يونيو الماضي، للحصول على تعهد اسرائيلي بالانسحاب الكامل الى خطوط 4 حزيران 1967 مقابل السلام. وأعطى رئيس وزراء اسرائيل الراحل اسحق رابين هذا الالتزام في تموز يوليو 1994. وبعد اغتيال رابين في كانون الثاني نوفمبر 1995 أكد خلفه شيمون بيريز مواصلة خط رابين في ما يخص الانسحاب الكامل. وبعد فترة بنيامين نتانياهو العقيمة في الحكم، تسلم ايهود باراك السلطة في حزيران 1999، معلناً وفاءه لتركة رابين، واعتبر حافظ الأسد ان هذا يشمل الانسحاب الكامل. لكن باراك ما لبث ان تردد، وطالب بشروط أفضل، ثم اعلن الاستعداد للانسحاب من الجولان عدا الضفة الشمالية الشرقية لبحيرة طبريا، التي كانت في يد السوريين قبل حرب 1967. مع ذلك أكد باراك انه يريد السلام، وأثنى على الرئيس الأسد معتبراً انه باني سورية الحديثة. وبدا انه يتهيأ بمرور الأيام لاتخاذ قرار الانسحاب الكامل، بما في ذلك من ساحل طبريا. وهكذا عندما دعا كلينتون الأسد الى جنيف في آذار 1999 قائلاً انه يحمل "خبراً طيباً" اعتقد الزعيم السوري ان الاختراق التاريخي المتوقع على وشك ان يتحقق - لكن سرعان ما واجه خيبة أمل مريرة. ذلك ان باراك لم يرد السيطرة على طبريا وكل ضفافها فحسب، بل زاد على ذلك السيطرة على مصادر مياهها والطرق المحيطة بها. أي انه لم يكتف برفض الانسحاب الى خط 4 حزيران بل اراد ارجاع حدود 1923 الدولية نفسها بضع مئات من الأمتار شرقاً. هذه كانت رسالة كلينتون الكالحة الى الأسد، الذي رفضها الرئيس السوري فوراً. من الذي رجح لكلينتون أن الأسد كان سيوافق على أقل من الانسحاب الكامل؟ الجواب الوحيد كما يبدو هو روس. ما هي أسبابه؟ الحجج التي ساقها، حسب ما نعلم، هي أن المرض يشتد على الأسد، وانه يريد ترك السلطة لنجله، وان سورية تعاني من أزمة اقتصادشية. وكان كيسنجر وصف الأسد في مذكراته بأنه قائد يفاوض الى حافة الهاوية، وأحياناً عبر الحافة، ثم يوافق عندما يشعر بأنه حصل على كل ما يمكن من الطرف المقابل. لماذا اذن لا توجه واشنطن الى الأسد دفعة اضافية؟ الواضح ان روس، وأيضاً باراك، اعتقدا ان في الامكان دفع الأسد الى التخلي عن الموقف المبدئي الذي كافح من أجله منذ مؤتمر مدريد - وكانا على خطأ. والنتيجة ان كلينتون وباراك وروس اضاعوا فرصة فريدة للسلام بين سورية واسرائيل. انهيار قمة كامب ديفيد السيناريو نفسه ينطبق على قمة كلينتون وياسر عرفات وباراك في كامب ديفيد في تموز يوليو الماضي - حسب التقرير الوحيد الكامل عنها الذي كتبه أكرم هنية رئيس تحرير صحيفة "الأيام" الفلسطينية، الذي كان عضواً في الفريق التفاوضي الفلسطيني في القمة. وهنا يبدو، مرة اخرى، أن دنيس روس، بتحريك من باراك، كان المسؤول الذي اقنع كلينتون بأن القمة قد تنجح، بمعنى امكان دفع عرفات لتقديم تنازلات في ما يخص القدس، مثل الاعتراف بسيادة اسرائيل على الحرم الشريف. وكان باراك وروس واصلا الضغط من أجل عقد القمة على رغم تحذيرات عرفات المتكررة لواشنطن من أن الخطوة تفتقر الى الاعداد الكافي وانها سابقة لأوانها، وأن فشلها قد يؤدي الى تفجير الوضع - وهو بالتالي ما حصل، وفي الشكل المأسوي الذي نرى. ويصف هنيّة روس بأنه "المناصر من دون شروط لمطالب اسرائيل"، وأن الفريق الأميركي كان متوافقاً تماماً مع الاسرائيليين. كما يتهم مستشاري كلينتون باخفاء حقيقة الأوضاع عن الرئيس. من الأمثلة التي يوردها الصحافي الفلسطيني أن كلينتون لم يدرك الاّ خلال القمة الموقع المركزي لمشكلة اللاجئين، لأن مستشاريه أقنعوه سابقاً بأنها تنحصر بقضايا مثل التعويضات الى اللاجئين وتوطينهم في الدول العربية أو توفير تأشيرات الدخول الى الراغبين منهم في الهجرة الى الغرب. ويصدر هنيّة حكماً قاسياً على الطرف الأميركي. اذ يكتب: "هؤلاء المبعوثون الأميركيون برحلاتهم المكوكية التي لا نهاية لها الى المنطقة وادارتهم ملف المفاوضات فقدوا كل مصداقيتهم لدى الفلسطينيين والعرب". ويتساءل: "متى تتوقف الولاياتالمتحدة، على الأقل لاحراز بعض الفاعلية، عن ترك الأمور لهؤلاء المسؤولين انفسهم؟". ويكشف ان الطرف الأميركي وضع جانباً قراري مجلس الأمن 242 و338 بعدما كانا أساس عملية السلام، ولم يطلقوا مبادرة أو يقدموا اقتراحاً الا بعد الحصول على موافقة الاسرائيليين وهذا من تركات كيسنجر، وركزوا ضغوطهم منذ البداية على الفلسطينيين وليس أبداً على الاسرائيليين. الواقع هو أن الاسرائيليين فوضوا الى الولاياتالمتحدة التفاوض نيابة عنهم، بعدما اقتنعوا بأن الضغط الأميركي سيكفي لفرض السلام الذين يريدون. لكن عرفات، مثل الأسد في جنيف، رفض الاستسلام وبذلك انهارت القمة. يذهب بعض العرب الى حد الاعتقاد بأن روس تقصّد افشال القمتين لكي يضع مسؤولية الفشل على سورية والفلسطينيين ويحسن صورة اسرائيل لدى العالم. ويرون انه تمكن ببراعة، لكن بالتالي دون نتيجة، من التأثير على الرئيس كلينتون. حياة روس العملية كانت طويلة. وضمن خلالها استمرار الولاياتالمتحدة على استراتيجية "خطوة خطوة" التي وضعها كيسنجر - التي تعني الوصول الى التسوية ليس عن طريق الضغط على اسرائيل بل مساعدتها على التقدم خطوة فخطوة الى ما تريد. وكان المبدأ الحاكم هو نفسه: المزيد من الدعم الأميركي لاسرائيل يزيد من ميلها الى المخاطرة بالقبول بالسلام. لكن ما حصل حتى الآن أثبت فشل هذه الفكرة. ذلك ان المزيد من الدعم لاسرائيل شجعها على الاعتقاد بإمكان بقائها في الجولان، وقبل ذلك في لبنان، وأيضاً في استمرار قضمها التدريجي لأرض الفلسطينيين. مشورات روس هدفت دوماً الى طمس دور الأممالمتحدة واغفال قراراتها. هكذا لم تعد للضفة الغربية وغزة صفة "أراض محتلة" بل "متنازعة"، فيما تحولت المستوطنات الاسرائيلية من "لا شرعية" و"عقبات على طريق السلام" الى مجرد "اشكالات". وكانت الأولوية المطلقة دوما لأمن اسرائيل، وليس أبدا لأمن العرب. وجاء أولاً نجاح حزب الله في لبنان، ثم انتفاضة الأقصى الحالية، لايقاظ أميركا على الواقع المرير، وهو ليس مجرد فشل سياسة الدعم الغير مشروط لاسرائيل في التوصل الى السلام، بل ان أميركا نفسها تدفع ثمنا باهضا للانتهاكات التي ترتكبها حليفتها. دنيس روس يغادر موقعه. وهو يلخص في شخصه التناقض الأعمق في سياسة أميركا، وهو استحالة كونها في الوقت نفسه الحليفة المطلقة لاسرائيل وأيضا الوسيطة النزيهة والموثوقة في التقدم نحو السلام. * كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الاوسط.