عندما بدأت مفاوضات "احلال السلام" في البوسنة في قاعدة "رايت باترسون" الجوية قرب مدينة دايتون الأميركية في مطلع تشرين الثاني نوفمبر 1995، لم يفكر أحد من المشاركين فيها بجدية الصراع في كوسوفو. وجاءت نتائجها خالية من أي اشارة اليه. لكن تلك المفاوضات على الرغم من كل ما رافقها من تهديدات ونتج عنها من "هدنة وقف نار لا سلام" كما اطلق على "محصولها" جزافاً فانها اتُخذت نموذجاً ل "حل" مشكلة كوسوفو، حتى في زمن العشرين يوماً التي ينبغي ان يوقع خلالها طرفا النزاع على اتفاق تحت طائلة انزال "شديد العقاب" بهما. وكما كانت الحال عليه في دايتون فإن "المتخاصمين" المحليين احتُجزوا ولكن هذه المرة في قلعة حصينة وليس في قاعدة تحيط بها الطائرات والاسيجة. ومنعت عن الطرفين الصربي والالباني كل اتصالات خارجية حتى يوقعوا ولو من دون قناعة ما يُملى عليهم دون الحاجة الى اجتماعهما وجها لوجه ومناقشة النزاع الذي قادهما الى هذا المصير. ولم تنحرف التصريحات التي اقتصرت على الوسطاء وظهرت حتى الآن عند مدخل رامبوييه عما كان يقال في دايتون وان اختلفت الألسن التي تصب اللوم على الذين "لا يريدون اغتنام الفرصة الأخيرة" على رغم ان الاقتراح المعروض في رامبوييه يضع فترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات لا يعرف أحد من أهل القضية ما بعدها. وهذا ما جرى بالنسبة الى البوسنة التي انقضى على وقف النار فيها أكثر من 3 سنوات ولا تزال توقعات الحرب في ربوعها تفوق فرص السلام، حيث لم تحل عشرات القضايا التي علقت في دايتون ومنها مستقبل مدينة برتشكو ومصير النازحين من مئات المدن والقرى واعمار ما دمرته الحرب. ويسود التقويم في منطقة البلقان ان المصالح الدولية هي المهيمنة على الأمور في رامبوييه اذ عقد الاجتماع الذي وضع "خطة سلام كوسوفو" في لندن وتجرى المفاوضات قرب باريس، ويتردد ان التوقيع سيكون في موسكو أو واشنطن واجتماعات البدء بالتنفيذ في بون أو روما، كي تنال كل دول مجموعة الاتصال شرف "انهاء مشكلة كوسوفو". وهو ما درج عليه اتفاق دايتون الذي وقع بصيغته الأولى في حضرة الرئيس الأميركي بيل كلينتون وأقر شكله الرسمي برعاية الرئيس الفرنسي جاك شيراك وجالت المؤتمرات اللاحقة دول مجموعة الاتصال من دون ان يفكر أحد في عقد احدها في البوسنة، صاحبة القضية. وكما تساءل البوسنيون فإن أهل كوسوفو يشيرون الى انه كان الأجدر ان تعقد المفاوضات في داخل الاقليم لأن تأثيرها كان يمكن أن يكون أقوى ومقومات نجاحها أوسع لأنها تلتزم الواقع الذي تدور في ساحاته المشكلة. وعلى الرغم من الانتقادات التي يوجهها الوسطاء في تصريحاتهم للصرب فإن وسائل الاعلام الصربية بدت مرتاحة لما يجري في رامبوييه، واثنت صحيفة "بوليتيكا" شبه الرسمية الصادرة أمس الاربعاء في بلغراد على المبادئ العشرة التي تدور حولها المفاوضات غير المباشرة عن طريق اتصالات الوسطاء الدوليين "لأنها لا تتطرق الى هدف الألبان بتقرير المصير والاستقلال". ومن جهة أخرى، أبلغ مصدر كبير في الحركة الوطنية الالبانية "الحياة" هاتفياً من بريشتينا ان مخاوف مبررة تسود ألبان كوسوفو من ان "تكون حصيلة رامبوييه في التقسيم لا تختلف عن نتائج دايتون". وأشار المصدر الى أن المعلومات تفيد أن "تقسيماً مقنعاً" يدور بحثه في الكواليس بين الوسطاء الدوليين "بذريعة ان أكثر من نصف أراضي الاقليم ستعطى حقوقاً متساوية لما لدى كيان صرب البوسنة، في حين يجرد القسم المتبقي الذي سيشكل نحو 40 في المئة من الأراضي، من هذه الحقوق على أساس انه ليس ألبانياً نقياً". ولم يستبعد المصدر ان يكون الوسيط الأميركي كريستوفر هيل عراباً لهذا التقسيم في رامبوييه، اذ كان عنصراً رئيسياً مساعداً لريتشارد هولبروك في اتفاق دايتون الذي فرض تقسيم البوسنة.