الحديث عن منكرات التحريض والتأليب على الطائفية، من الخارج وفي الداخل، لا تكفيه مجلدات عصر كامل. والأمر ليس وليد البارحة، أو أننا اكتشفناه بعد وقوع جريمة الأحساء التي راح ضحيتها قتلى ومصابون أبرياء لا ناقة لهم ولا جمل فيما يحدث حولهم. هذا التحريض المقيت في محيطنا العربي والإسلامي قديم، وقد قاده، بإصرار وتربص واضحين، مجموعة من الأسماء من الطائفتين، السنية والشيعية، وأذكوا ناره في كل بقعة عربية تشهد الآن تقاتل أهلها وتناحرهم واتساع مساحات قبورهم. والمفارقة أن أكثر من تبنوا خطاب الطائفية وأمعنوا في تفريق الناس (المتوحدين) والمتحابين في الله والأوطان هم من بعض الوعاظ، الذين تباروا أيهم يكون صوته أعلى وجماهيريته أوسع حين يستدعي التاريخ والنصوص و(المغالطات) ليقدح زناد التفرقة ويهدد أمن وطنه وسلامة مجتمعه. وقد خيل لي أحيانا، من كثرة ما يلقي هؤلاء من حطب على النار المشتعلة، أنهم يعملون بالوكالة عن أحد يهمه تمزيق المنطقة العربية وضرب شعوبها لرقاب بعضهم بعضا. بل لعلي لا أبالغ إذا قلت إن المشعلين لنار الفتن المستعرة في عالمنا اليوم يعلمون سلفا نتائج أقوالهم وأفعالهم. وهم يصرون على هذه الأقوال والأفعال؛ لأن (الطبخة) التي يطبخونها لم تنضج بعد، باعتبار أن نضوجها يحدده دخول كل دول المنطقة إلى حرب طائفية كبرى لا تبقي ولا تذر. وقد كان العراق، الذي غطس في الطائفية بعد الغزو الأمريكي، مكان الشرارة الكبرى التي صدرت إلى الدول المجاورة من خلال غزو طائفي منظم للمكونات البشرية في هذه الدول من سنة وشيعة. وليس بالإمكان، رغم الإنكار والالتفافات المتعددة، أن تبرأ إيران من توظيف شرارة أو موبقات الطائفية عربيا من أجل تحقيق مصالحها القومية وتقوية حضورها كلاعب منافس ومؤثر في مستقبل ومصير المنطقة برمتها. وقد أدى التدخل الإيراني في العراق، ثم في بقاع عربية أخرى إلى خلق تجاذبات واضحة في المنطقة على أساس مذهبي تشتد حباله حينا، وترتخي حينا، حسب مسعى الأجندات الأجنبية ومصالحها في المنطقة. أي أن الدول الكبرى، المعنية بهذا الجزء من العالم بحسب استراتيجات اقتصادها وأمنها القومي، لعبت على أوتار هذا الاتجاه الطائفي المستعر الذي سيعفيها، على أقل تقدير، من تحمل فاتورة حروب جديدة كانت تحتاجها لتعيد الأمور إلى النصاب الذي يناسبها في هذه الدولة أو تلك. على المقلب الآخر، ساهمت فوضى ما يسمى الربيع العربي في تمكين سعير الطائفية في الدول العربية، بعد أن اختطف الإسلام السياسي هذا الربيع وأوغل في التكسب الشعبي على أساس خطاب حزبي يغازل المذهبية ويقدم نفسه باعتباره (الحارس الأمين) لهذه الطائفة أو تلك. وقد رأينا ذلك واضحا على الساحة السورية التي بدأت ثورة أهلها سلمية، ثم سرعان ما تحولت على أيدي الطائفيين إلى حرب أهلية تغذيها المزايدات بين كل الأطراف. ومن الطبيعي، نتيجة لكل هذه الإرهاصات والتجاذبات الدولية والإقليمية الحادة، ألا تسلم دول الخليج من شرور الطائفية التي تستهدفها كما تستهدف غيرها من الدول العربية. وقد وجد في هذه الدول، كما وجد في الدول الأخرى، من يحاول أن يعظم هذه الشرور محليا وينفخ فيها، عبر خطابات تحريضية وإقصائية واضحة يتبادلها وعاظ وقادة رأي من المكونين الشعبيين: السنة والشيعة. وكان واضحا خلال السنوات الثلاث الأخيرة أن شعوب الخليج، المتعايشة لقرون، دخلت في دوامة التعاطي الطائفي الذي وصل إلى وسائل إعلام جماهيرية تقدم، دون تردد أو خجل، خطابا طائفيا وتحريضيا صرفا. وبالنتيجة، فإن على دولنا الخليجية أن تطلق ما أسميه (برنامج مكافحة الطائفية)؛ لكي تقطع الطريق على النافخين في كيرها الذين وصلوا الآن إلى الحلق، وتجرأوا على الآمنين في بلدانهم ظنا منهم أن الطريق أصبحت مفتوحة لبغضهم ونيرانهم. ولعل حادثة الأحساء التي جمعتنا بحق، بعد أن فرقونا بأصواتهم وتحريضاتهم وكرههم، تكون المنطلق لهذا البرنامج المضاد للإرهاب والإرهابيين، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، فقد قدمت هذه الحادثة، رغم مأساويتها، مؤشرا على أن غراس المحبة والتعايش ما زالت راسخة، وأن الأصوات النشاز لن يخرسها سوى الفعل الوطني الجازم والحاسم.