في حين احتفل المصريون حتى فجر السبت بنشوة النصر وتنحي الرئيس حسني مبارك، بعد حكم دام ثلاثة عقود ووصفته ردود الأفعال الدولية بأنه تغيير تاريخي ودرامي، حذر محللون أن التحدي الأكبر يكمن في حقبة ما بعد مبارك وإعادة بناء البلاد. وقال كينيث بولاك، مدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط في معهد «بروكينغز»: مشاكل مصر بدأت قبيل مبارك ولن تنتهي بعد الإطاحة به، مضيفا في تعقيب أدلى به لوسائل إعلامية: بل هي نتاج الفساد، وأنظمة راكدة ساهم مبارك في ترسيخها لكنها، تتجاوز في وقتنا الراهن إلى ما أبعد من شخصه. وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما، شدد الجمعة على ضرورة «حماية حقوق المواطنين المصريين، ورفع قانون الطوارئ، ومراجعة الدستور وقوانين أخرى تضمن تثبيت هذا التغيير وتمهد لطريق واضح نحو انتخابات حرة ونزيهة». وفي رد فعله على تنحي مبارك من منصبه، قال أوباما، إن الشعب المصري قال كلمته، ومصر لن تعود كما كانت، و «هذا اليوم يوم الشعب المصري». وطالب الجيش المصري بأن يضمن انتقالا ديمقراطيا يتصف بالصدقية، مشيرا إلى أن مبارك استجاب لمطلب الشعب بالتغيير. ويتخوف مراقبون بشأن مدى استعداد الجيش للتخلي عن السلطة لصالح نظام ديمقراطي. وأوضح دانيال بايمان، من «معهد بروكينز»: «لمصر تاريخ طويل من الحكم العسكري.. لن يندهش أحد إذا لم يكن الجيش حريصا على تمرير الأمور إلى الشعب المصري»، لكنه استدرك بالإشارة إلى التقدير الراسخ الذي يكنه الشعب المصري للمؤسسة العسكرية، فطوال فترة الانتفاضة وقف الجيش موقف المحايد، بحماية كلا الطرفين، المحتجين ونظام مبارك، ودعا العديد من المحتجين حينها القوات المسلحة للتدخل وتولي زمام السلطة كحكومة تسير أعمال. وأضاف بايمان: الأمل هو أن يدرك الجيش أن صورته المؤسسية ومبعث فخره سيتعرضان للضرر إذا ما أنشأ كيانا ديكتاتوريا آخر. ويشار إلى أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية أصدر الجمعة، بيانه الثاني منذ بداية الأزمة في البلاد، وتعهد «بضمان»، تنفيذ مطالب الشعب من تعديلات دستورية وانتخابات حرة حتى تمام انتقال السلطة بشكل سلمي. وبدوره، لفت ماركو فيزينزينو، من «المشروع الاستراتيجي الدولي»، إلى أن على المؤسسة العسكرية المصرية لإبداء مدى حرصها على مصالح الشعب، العمل أولا على رفع قانون الطوارئ، الذي استخدمه مبارك طوال فترة ولايته لحكم البلاد. وكان متحدث باسم الجيش قد أعلن في بيان الجمعة، أن رفع قانون الطوارئ مرهون بما تقتضيه الظروف. وأشار بايمان إلى نشر دبابات في شوارع مصر واستمرار العمل بقانون الطوارئ، مؤكدا أن مصر ما زالت تدار كدولة يطغى عليها طابع الدولة البوليسية، وهو أبرز نقاط محور الاحتجاجات التي خرجت إلى شوارع مصر في «يوم الغضب» في 25 يناير (كانون الثاني) الماضي. وأضاف قائلا: «الشرطة ليست هناك بذات طريقتها، ولكن هناك دبابات في الشوارع وليس هناك بدائل منظمة.. السؤال هو هل هناك مؤشرات موثوق بها بأن الجيش على مسار لا يمكنه التراجع عنه؟». وقال الأمين العام لجامعة الدول العربية إن الطريق إلى الديمقراطية عبر انتخابات حرة ونزيهة تعقد ما بين ستة إلى سبعة أشهر. وحيا وزير الخارجية المصري الأسبق الدور التاريخي للشباب المصري، وكذلك الجيش الذي دافع عن مصالح الشعب وحمى المتظاهرين طيلة أيام «الثورة الشعبية»، التي تواصلت على مدى 18 يوما، مؤكدا على أهمية الإصلاحات الديمقراطية في مصر. ويتفق المحللون على أن مستقبل مصر قد يتحرك نحو اتجاهات شتى، وعقب بايمان قائلا: «عندما تكون جميع المؤسسات غير جاهزة، فلمن تسلم زمام الأمور؟، هناك نقطة شائكة، الشعب المصري توحد حول ضرورة رحيل مبارك، لكن هل سيتوحد بشأن ما سوف تبدو عليه بلادهم في السنوات المقبلة؟، أنت في حاجة لبعض الوحدة والرؤية».