رغم شبابه وحيويته، حماسه وتطلعه، طموحه وأحلامه، بدأ يحس بتدهور متسارع في صحته.. كان يسمع عن الشيخوخة المبكرة هنا وهناك، لكنها أصبحت بدون مقدمات واقعاً جاثماً أمام عينيه بشكل مفاجئ!! هذا التحول الدراماتيكي الذي بدأ يلبس عباءة التدهور السريع ذكره بقصة أعز اصدقائه الذي رحل بسبب جلطة في القلب بعد خسارة مالية وفترة ضغوط تبعتها لم تمهله طويلاً، ذلك كله قاد صاحبنا لجلسة مراجعة عاجلة وكشف حساب مفصل عن سبب هذه التحولات السلبية في صحته النفسية والبدنية. أظهر الكشف عدة مؤشرات قد تتوافر بعضها أو كلها في بعضنا ومنها ضغوط العمل وتكليف النفس فوق طاقتها بغية النجاح أو تحقيق الذات أو التفوق في منافسة معينة متناسياً المآلات الخطيرة لهذا الضغط (المهني) أو (الحياتي) ونتائج هذا الأمر تكمن في تدمير مشروع حياتك وأحلامك المستقبلية التي لن تتحقق من غير مستوى من الوعي والتوازن فلا إفراط ولا تفريط. كشف الحساب الجميل وجلسة المراجعة الجريئة أفرزت عدم ارتياح في مجال العمل إلى درجة كبيرة مع عدم الاستعداد للتفكير والتخطيط والعمل على تغيير العمل والقرب من مناطق الرغبة الداخلية والقوة المهنية والميول المهارية في اختيار العمل المناسب وهذا التأجيل والتعطيل في حسم الملف جعل الضغط يزداد وهذه الجمرة وإن كانت داخل الأحشاء تحرق الجسد على نار هادئة!! اظهر الكشف أيضاً انخفاضاً في التقدير في بيئة التحفيز خصوصاً أن صاحبنا يركز كثيراً على التحفيز الخارجي القادم من الناس ولم يركز على التحفيز الداخلي القادم من أعماق النفس البشرية وهو عملياً أهم من الأول وهذا جعل مشاعر الإحباط والفتور وربما الغضب والإحساس بالظلم والتهميش حاضرة وضاغطة بشكل كبير على بيئة العيش ونمط الحياة الشخصية. ورقات المكاشفة عكست كذلك ضعفا كبيرا في ممارسة الأنشطة الرياضية والرحلات الترفيهية والخلوات اليومية والجلسات العائلية التي تفرغ الكثير من التوتر والطاقة السلبية مع غياب كامل لجلسات التأمل والاسترخاء وجلسات تفريغ الأفكار في ورقة أو ممارسة بعض الهوايات الخفيفة التي تكسر الروتين الممل أو كتابة بعض الخواطر ومراجعة مسار الحياة وحسم بعض الملفات العالقة والقرارات المعطلة كما كشفت هذه المراجعة ضعفا في الجوانب الروحية التي من شأنها أن تعطي الكثير من الطمأنينة والراحة والسكينة رغم الضغوط وتراكم الاعمال وتجعل الإنسان أكثر فهماً لخبايا الأحداث وقبولاً للتحولات أو المفاجأة لأن الإيمان له إنعكاس إيجابي كبير على النفس وهو من أسباب الاسترخاء حتى تحت بيئة الضغوط. مهما كان صدى المشكلة أو عمق الضغط أو قسوة الظروف لابد من الحذر الشديد من الدخول في دوائر ومتاهات الاحتراق النفسي والتي معها يفقد الانسان الكثير من حياته وصحته وعيشه الهانئ ويخسرُه من حوله من أحبابه، وذلك كله بسبب عدم القدرة على إدارة الذات بالشكل الجيد ونمط المعيشة الخاطئ والذي ربما يعزي البعض انفسهم بأن هناك إنتاجا في حقل لكن هناك حرائق كبرى تشتعل في الحقول المجاورة!! وهذا الواقع يقودنا الى أهمية تعلمنا لفنون تحليل المشكلات واتخاذ القرار والتي من خلالها سنكون أكثر سرعة في حسم الكثير من الملفات وطريقة تفكيرنا اكثر انسيابية ومخرجاتنا الحياتية هي في الجودة التي نريد ونتمنى. كما اننا لابد أن نتخلص من المجاملات الكثيرة التي تضغط علينا بشكل سلبي ومرهق ونتقن فن الاعتذار مع حفظ الأدب والود والصلة المميزة مع الآخرين. وأشير هنا إلى أهمية عدم الانغلاق على الذات وتصنع القوة والتماسك امام الضغوط وهذه ظاهرة مشاهدة خصوصاً عند الرجال الذين يستحي بعضهم من الاستشارة في امر أو الفضفضة في مسألة ويوزع الابتسامات امام الناس وهو يحوي كرة من اللهب في صدره بكل أسف ويعتقد انه على صواب وهو مهلك نفسه. كان رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو الأسوة لنا والقدوة من أكثر الناس بوحاً واستشارةً ومن أكثر الناس توكلاً على الله في الملمات وكان يبحث دوماً عن الحلول بدل الغرق في دائرة التفكير الدائم في المشكلة وكان يبشر بالحياة المتزنة بين ابعادها الروحية والاجتماعية والاسرية والعملية والشخصية. ونحن نعيش هذا النمط السريع من الحياة لابد أن (نهون بدل أن نهول) ونهدئ لنفكر بشكل أفضل ونعمل بكل حماس وجد لكن بلا قسوة وعنف مع أنفسنا فلها علينا حق كما أن لكل شيء حولنا حقا. يسوق لنا القران آية جميلة حول دعاء الإنسان لربه أن لا يُحمله فوق طاقته لأنه سوف يشقى ونرى أمامنا الكثير من المعمرين حول العالم من تميزوا بنمط حياة ناجح وصحي ومتوازن في ذات الوقت فالمرض نتيجة والصحة نتيجة ونحن من نفعل الاسباب سواء في الطريق الصحيح أو الطريق الخاطئ. تشير الدراسات الى أن حوالي 80 % من الامراض العضوية لها خلفيات نفسية ولهذا تهتم الكثير من الدول والمنظمات بالصحة النفسية لما لها من الاثر الاجتماعي والصحي والاقتصادي والسياسي على تلك الأوطان وتزداد حملات التوعية لهذا الغرض من أجل حياة لا يحرق الانسان فيها نفسه بل يعيش معها بحُب وسلام وسعادة ويتعاون مع كل من حوله لحياة أجمل بلا حرائق..