كنا نترقب بقلق عميق يوم 5/12/2012م موعد إصدار العدد الأول من الشرق «الورقية» , وها نحن فجأة نصدر العدد المائة. لقد انطلقت الشرق « الإليكتروني» في 11/11/2011م وسبق انطلاقتها قلق وترقب وتوتر, لكنني أصدقكم القول أن ترقب «الورقية» كان أكبر, وقلق إصدارها كان أعمق, أمّا توتر الأعصاب فحدث ولا حرج. كان الفرق عند أسرة التحرير واضحاً, فالصحيفة الإليكترونية منسجمة مع موضة النشر الحديث أمّا الورقية فعكسها تماماً, إنها مغامرة وأي مغامرة. كان جميع الزملاء والزميلات قلقين متوترين, خائفين, وكنت مثلهم, لكني بحكم السن, كنت أقول لهم : هذا قلق وتوتر وخوف إيجابي, أنتم تستعدون لتقديم عمل تزعمون – أنه متميز -, فجوّدوا ما تحت أيديكم, واتركوا الباقي على الله. وقد كان. توكلنا جميعاً على الله, وصدر العدد الأول.. كان حضور حفل التدشين الذي شرفه أمير الشرقية الأمير محمد بن فهد يهنئون ويباركون, وكان الزملاء والزميلات كلهم يسألون, مارأيكم؟ وما زلنا حتى الآن وحتى الغد نقول لقرائنا الكرام: ما رأيكم؟ ذلك أن كل عدد عندنا هو عدد أول, صحيح أنه ليس بنفس تلك الدرجة من القلق والتوتر والترقب التي صاحبت العدد الأول, لكنه قلق وترقب وتوتر موجود يومياً لسببين: أولهما : أن مهنة الصحافة حين تستلهم مهنيتها الكاملة, لابد أن تستدعي معها كل قلق العاملين في بهجة حدائقها وأفران مطابخها, وتوترهم وترقبهم, و إلاّ فإنهم لن يطالوا هامة مهنيتها السامقة, ولن يجدوا مكاناً في أعين وعقول وقلوب القراء، ولهذا فإن العمل الصحفي اليومي محرقة لا تشبع من الوقود والضحايا والدموع، وحديقة لا تكف عن بث الأريج واستعراض المفاتن والمباهج والألق ، وهكذا هي « الشرق » كما نزعم أو كما نريد أو كما نحلم، وقراؤها هم من يقر زعمنا، أو يؤكد تطلعنا، أو يحكم بأننا حالمون. السبب الثاني: أن ما تحقق حتى الآن للشرق « الورقية » كان أعظم مما توقعت الخطط، وأكبر مما ظنه التفاؤل، توزيعا وإعلاناً، وحضوراً على كافة المستويات، لقد أكرمنا القراء والمعلنون والمتابعون والراصدون أيما إكرام، لقد فاجأتنا ردة الفعل البهيجة الرائعة التي بدأت مع العدد الأول ومازالت إغراءات جمالها تنداح في دوائر أكبر مع كل عدد جديد، وهذا بقدر ما هو مصدر سعادة وتشجيع وشحذ همة لكل زميل وزميلة في الصحيفة والمؤسسة؛ فإنه يحملهم جميعاً عبئاً مضاعفاً من المسؤولية التي تقتضي من كل واحد منهم أن يحسب ألف حساب لكل معلومة يحصل عليها، ولكل كلمة يكتبها، ولكل خطوة يخطوها، فهو – أقصد الزميل أو الزميلة – أمام انثيالات التقدير وهالات الاحترام التي تأتيه من هنا وهناك, يشعر أنه في بؤرة الاهتمام والمسؤولية, ولا بد أن يكون في ذات المستوى الذي ينشده من قدروه واحترموه ومنحوه الثقة, وهي ثقة رائعة ومشجعة, وثقيلة ومخيفة, في آن واحد. لقد انطلقت الشرق « الإليكترونية والورقية » بناء على دراسة وخطة, وهي قدمت نفسها من خلال مائة عدد موضحة أن هويتها « صحيفة وطنية شاملة », تحرص أن تكون يومياً, تحت سقف ثوابت الوطن الثلاثة « الدين الإسلامي السمح, والوحدة الوطنية العظيمة, والقيادة السعودية الرشيدة »، وقد سعت تحت هذا السقف أن تقدم هويتها بمهنية, واضعة نصب عينيها دعم خطوات الوطن المتوثبة في التنمية والإصلاح والتطور والحفاظ على المكتسبات الرائدة, وهي تأمل أنها تمكنت من إيضاح هويتها عبر المائة عدد التي قرأتموها, وأنها استطاعت أن تطبع في أذهان من تابعوها حتى الآن علامتها المتميزة شكلاً ومضموناً, وأنها كونت في أعماق من يقرأونها شوقاً وتطلعاً يومياً إليها. إن « الشرق » وهي تصافحكم اليوم بعددها المائة, تدرك أنها ما زالت في طور التأسيس, وأن المشوار أمامها ما زال طويلاً وصعباً وشائكاً, ولهذا فهي تعتبر المائة عدد الماضية مرحلة تقديم للذات, وتجريب للإمكانات المادية والبشرية, وقد اطمأنت – ولله الحمد – أن إمكاناتها المادية كبيرة وتتضخم كل يوم, أمّا إمكاناتها البشرية, فقد اعتمدت على الشباب – من الجنسين – فكانوا الأقوياء الأمناء, الطامحين إلى مستقبل مهني رائع ومكتنز بالوعي والاقتدار, لذلك فقد كانوا وما زالوا وسيظلون مصدر قوتها – بعد الله – ومكمن فخرها واعتزازها, وموضع ثقتها وتقديرها وإكبارها, ومسبار مستقبلها المتوثب نحو صدارة المشهد الصحفي كله عن جدارة واستحقاق و عما قريب. وبقي أن أقول بصدق ومحبة وبدون تواضع ولا تصنع : إنني أكتب الآن هذا المقال وأنا أشعر – حقيقة – أن الشرق لم تقدم إلا النزر اليسير مما خططت له, وحين أقول هذا فلأنني مطلع على كل الخطط التي وضعها الزملاء والزميلات من قبل الصدور ومنذ بداياته, وكلما سألت أياً منهم عما خطط, قدم لي النماذج الجاهزة وطالبني بمساحة لنشرها. لقد اكتشفنا مع التجربة أن الست وثلاثين صفحة غير كافية لاستيعاب طموحات وإنتاج و « جنون » الجميع, فقلت لزميلي العزيز خازن المال وربان الإدارة خالد بوعلي: ما رأيك أن نزيد عدد الصفحات؟ فتنحنح وقال: الإعلان يحكمنا. قلت والدليل في يدي: ها نحن نتجاوز 40% في معظم الأيام, فقال بصرامة: من يملك القرار: دعنا نكمل العام الأول ثم نتفاهم, ثم سألني سؤالاً عميقاً مفحماً قال: هل أنت متأكد أننا في المسار السليم؟ قلت: لا أدري. فقال : إذن الدراسات يا أستاذ, قلت: الدراسات. وهو فعلاً ما بدأته المؤسسة, حيث استقطبت أعرق الدور المتخصصة في ميدان المهنة, لتجري لها الدراسات اللازمة التي يمكنها أن تقول: أين نحن؟ وإلى أين سائرون؟ وأنتم أيها القراء الكرام بوعيكم وموضوعيتكم وإنصافكم ستكونون – كما تعلمون – مصدر الدراسات, ولذلك فأنتم من سيحدد موقعنا, ومسارنا. هنيئاً للشرق بكم.