من يخترع ينتظر من يتبنى اختراعاته والشركات لدينا نائمة وتنتظر الشركات العالمية المرتبطة بها أن تخترع لها فهي لا تملك روح المغامرة وللأسف هي مجرد شركات «استهلاكية» ولا تساهم في تطوير البحث العلمي بشكل حقيقي كنت مع بعض الزملاء في شارع (نايتس بردج) في لندن الاسبوع الفائت وكنا نراقب بعض العمال وهم يقومون بأعمال صيانة في الشارع، وكانوا يحملون في ايديهم أجهزة تشفط الهواء، كل واحد لديه جهاز، وكانوا يستخدمون هذه الأجهزة لنقل البلاط الثقيل والكبير بسهولة عالية، ولم يحتج الأمر إلى وقت طويل حتى تم نقل البلاط من قبل عاملين فقط (كل واحد منهم يمسك البلاطة من جهته بالجهاز ويقومان بوضعها في مكانها الصحيح في الرصيف). قال أحد الزملاء "الحاجة أم الاختراع"، فهؤلاء الناس يعرفون ما يريدون ويستطيعون تطوير أنفسهم وصناعة معدات تساعدهم على أداء عملهم بشكل متقن، انهم يفكرون في حل مشاكلهم من خلال استثمار التقنية، وهم يتقبلون كل الافكار الجديدة التي تقدم لهم ويعملون على تقييم فائدتها وتحويلها إلى مشاريع تساهم في تطوير المجال الحضري العام. قلت له، أخي العزيز نحن من قال ان الحاجة أم الاختراع ومع ذلك لنا أكثر من قرن ونحن في حالة حاجة ولم نخترع شيئا، حتى أنني كنت في جلسة في الخرج قبل عدة أشهر وكان من ضمن المدعويين أحد المخترعين السعوديين الذين سجلوا براءات اختراع كثيرة ولم يتحول أي منها إلى منتج يستفيد منه الناس. هناك مشكلة كبيرة مرتبطة في مدى قدرتنا على تحويل الافكار إلى منتجات، هذا الخلل يجعلنا دون فاعلية ودون تأثير، فمن يخترع ينتظر من يتبنى اختراعاته والشركات لدينا نائمة وتنتظر الشركات العالمية المرتبطة بها أن تخترع لها فهي لا تملك روح المغامرة وللأسف هي مجرد شركات "استهلاكية" ولا تساهم في تطوير البحث العلمي بشكل حقيقي. لا أريد أن القي اللوم على أحد، لكن يجب أن نشخص المشكلة، فنحن جزء خامل من العالم، حتى في الاشياء التي صدرناها للعالم لم نستطع تطويرها ابدا، فقد شدني وأنا أمشي في (الأدجور رود) في لندن أن هذا الشارع أصبح "خان الخليلي" اللندني، فمحلات الشيشة تمتد إلى ما لا نهاية على جانبي الشارع والمحلات تسهر إلى الفجر حتى أن المكتبات العربية التي كانت تملأ الشارع قد اختفت وبلعتها المقاهي الجديدة، ومع ذلك بالكاد تجد مكانا تشرب فيه كوب قهوة، لكن المثير حقا أنني رأيت محلات الشيشة تستخدم جهازا جديدا عبارة عن منفاخ للهواء وظيفته تنظيف رأس الشيشة بدلا من نفخه من قبل العامل الأمر الذي كان يؤدي إلى انتقال الأمراض. لا بد أن اقول ان الحاجة التي تدفع إلى البحث عن حلول هي التي يجب أن نركز عليها فلدينا مشاكل كبيرة على المستوى الحضري والمدن السعودية تعاني من الكثير من الاشكالات لكننا نعاني من عجر واضح في ابتكار الحلول، ولا نلتفت لمن يستطيع أن يقدم أفكار تساعدنا على التعامل مع هذه المشاكل. يقول لي زميل، وهو لأول مرة يزور فيها لندن، انه قد بهرته "السقالات" التي تمتد فوق الارصفة لحماية المارة بحيث لا يشعر المارة أن هناك مبنى يبنى، وقال لي (وهو معماري ومطور عقاري) انه رأى كيف أتت سيارة وتوقفت عند أحد "السقالات" ونزل منها اربعة أشخاص، وقاموا بقص الأخشاب في جزء من "السقالة" وأعادوا تركيبها مرة أخرى لأنها كانت تحتاج إلى تعديل. كان الرجل معجبا بمهارة العاملين الذين قاموا بالعمل خلال ساعة ودون أن يزعجوا أحد أو يتركوا وراءهم أي أثر. بالنسبة له كانت هذه ثقافة لم يعتد عليها في بلادنا فهو يرى المباني تبنى على شوارع رئيسية دون أسوار والمخلفات تملأ محيط المبنى ولا أحد يحرك ساكنا. صار يقول لي ان النظام جميل حتى لو كان باهض الثمن وصرت أهز له رأسي بالموافقة، لأنني تعبت من كثرة ما شاهدت وكتبت حول هذه المشاهدات لكن دون جدوى. كنا قد حضرنا إلى لندن للمشاركة في الاجتماع التأسيسي لهيئة النقاد المعماريين العرب، وهي هيئة قمت أنا والدكتور وليد السيد قبل عامين تقريبا بتأسيسها في لندن من أجل الإسهام الفكري في تطوير المدينة العربية وعمارتها وحث المفكرين والمعماريين العرب على المساهمة في تقويم الوضع العمراني في المنطقة العربية. عقد الاجتماع يوم الاثنين (9 يوليو) في مبنى (بروناي جالري) في كلية الدراسات الاستشراقية والأفريقة SOAS في جامعة لندن، وحضره بعض الزملاء من بريطانيا ومن بعض الدول العربية، لكن أهم فكرة خرجنا بها هي أن البحث العلمي في مجال العمارة يجب أن يكون بحثا "مؤثرا" أي أن يحدث تغييرا، وإلا فلا داعي لهذا البحث، والنقد المعماري هدفه التغيير وليس فقط تشخيص الوضع الراهن. هيئة النقاد، يمكن أن تحدث تغييرا على مستوى الوعي العمراني العربي، رغم أنني قد أمضيت أكثر من عشرين سنة وأنا أنافح عن فكرة النقد كمجال فكري وتعليمي، ويجب أن أقول ان كليات العمارة في المملكة، لا تفهم قيمة النقد المعماري ولا تعلمه لطلابها، وأذكر أنني عندما قدمت للترقية الأكاديمية لم يفهم المجلس العلمي ما أقوم به. ومع ذلك لا بد أن أقول ان هيئة النقاد تمثل أملا جديدا لبناء فكر معماري عربي معاصر حتى لو كان الطريق صعبا ومليئا بالعوائق. أملي هو أن نتعلم فعلا أن الحاجة أم الاختراع، وأن الاختراع يجب أن يتحول إلى منتج يعالج الواقع، وأن تكون هذه الاختراعات عبارة عن حلول محلية لمشاكل محلية، وأنا كناقد في مجال العمارة على وجه الخصوص، تعلمت أن أشاهد ما لا يشاهده غيري، فالنقد يحتاج إلى المعايشة ويبحث عما يؤدي إلى الاختراع أو على الأقل يشخص مفهوم "الحاجة" التي قد تؤدي إلى الاختراع. ما يلفت انتباه الناقد قد لا يلفت انتباه الآخرين، فالمعرفة تتجمع من الأمور البسيطة، والعين المدربة على المشاهدة هي عين ناقدة، لكن المشكلة هي كيف تنقل ما تشاهده للأخرين، كيف تجعلهم يؤمنون بما تؤمن به، هذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجهه الناقد، كيف يصل إلى الناس ويغير رؤيتهم للأشياء، وهذا أمر آخر يتطلب بعض التواضع وبعض الاندماج مع الناس وتلمس حاجتهم، بالنسبة لي "النقد" مسؤولية وليس اختياراً.