1.6 مليون عقد لتأجير السيارات بنسبة نمو 7%        رصاصة رحمة    القبض على باكستاني في الرياض لترويجه الشبو    الفن قراءة مجتمعية    السديس: توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحجاج    30 ألف بلاغ لأعراض الدواء الجانبية وعسير الأكثر    فارس نجد يغازل الذهب القاري    فيصل بن فرحان يستقبل وزير خارجية مملكة هولندا    الأمير فهد بن جلوي يشهد افتتاح الألعاب الآسيوية الشاطئية سانيا 2026 في الصين    الأمير الدكتور فيصل بن مشعل يشيد بجهود غرفة القصيم    المدينة المنورة تستقبل أولى رحلات حجاج إندونيسيا لهذا العام 1447ه    تشيلسي يقرر إقالة روسينيور فورًا    المدينة الطبية بجامعة القصيم تُجري أول عملية سمنة بالمناظير الجراحية المتقدمة    نائب أمير عسير يؤكد أهمية تنمية الغطاء النباتي واستدامة الموارد الطبيعية    الجهات الحكومية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة وتتجاوز 76%    السعودي مهند قاضي يقود أول حضور لقطاع الرعاية الصحية عالميا في لجنة تحكيم مهرجان كان ليونز الدولي للإبداع    الغذاء والدواء: منع تصنيع وتخزين الأغذية دون ترخيص في الحج.. وغرامات تصل 10 ملايين ريال    HONOR تفتح الطلبات المسبقة لسلسلة HONOR 600 Series مع أداء رائد يضاهي الهواتف في فئتها    18 ألف طالب وطالبة بالأحساء يشاركون باليوم العالمي للتراث    الذهب يرتفع عقب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    رجل الأعمال سعيد بن عطعط يتكفّل بدعم حلقات مجمع الروضة القرآني    أكثر من 32 ألف أسرة سعودية سكنت مسكنها الأول خلال الربع الأول من 2026    مقتل شخص وإصابة آخرين في غارة إسرائيلية على شرق لبنان    أمين الشرقية: إنجازات المشهد الحضري تُتوَّج بثلاث جوائز وطنية    مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين جراء انهيار مبنى سكني في سمارا الروسية    العُلا.. ملتقى القوافل وإرث حضاري متجدد    وصول أولى رحلات مستفيدي مبادرة "طريق مكة" إلى مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي بالمدينة    "منشآت" تبحث مع الجهات الممكنة تعزيز تعاقد الشركات الكبرى مع المنشآت الابتكارية    أمير نجران يطلع على مشروع توثيق وتطوير الإجراءات الإدارية بإمارة المنطقة بالشراكة مع معهد الإدارة    الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بنجران في زيارة لمدير عام تعليم منطقة نجران    مهندسون صينيون يخططون لدراسة إنشاء دفيئة على سطح القمر    حياة الفهد قصة نجاح ألهمت الأمهات.. وداعا سيدة الشاشة الخليجية    دارة الملك عبدالعزيز تتيح الاطلاع على مجموعة خير الدين الزركلي الوثائقية    المملكة تدين مخططاً إرهابياً استهدف وحدة الإمارات    أمير الجوف يناقش استعدادات الجهات المشاركة في الحج    رئيس الجمهورية العربية السورية يغادر جدة    وزير الدفاع يبحث مع كروسيتو الشراكة السعودية - الإيطالية    "الشؤون الإسلامية" تختتم مسابقة القرآن الكريم في كوسوفو    «المشروع الرياضي».. من صناعة الترفيه لهندسة الهيمنة    القيادة تهنئ أميدي بأدائه اليمين الدستورية رئيساً للعراق    تخريج دفعة جديدة من كلية الملك عبدالعزيز الحربية    الرواية المفضلة عند بعض الروائيين    مدينة غامضة تحت المحيط    وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع الإيطالي    السعودية تعزز حركة التجارة العالمية    أكد مواجهة التحديات الراهنة.. البديوي: التكامل الخليجي ركيزة أساسية لحماية المكتسبات التنموية    "الداخلية" تدعو للإبلاغ عن كل من ينقل مخالفي أنظمة الحج    مؤشرات لونية توضح كثافة المطاف والمسعى    رحب باسم خادم الحرمين بوصول ضيوف الرحمن.. ولي العهد مترئساً مجلس الوزراء: تسخير الإمكانات والقدرات لإنجاح خطط موسم الحج    «القيثاريات» تزين سماء السعودية والوطن العربي    محتال يخدع أربع نساء ويخرج من السجن    تخطى شباب الأهلي بهدف وحيد.. ماتشيدا يضرب موعداً نارياً مع الأهلي في نهائي النخبة الآسيوية    إدارة الأطباء ومغالطة جديدة    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    الهلال الأحمر بعسير يؤهل الفريق الكشفي المشارك في حج 1447ه    "يمناكم " بجازان توقّع اتفاقية مجتمعية مع دعوي صبيا"    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



النقد والمنهج.. رؤية معمارية
نشر في الرياض يوم 15 - 03 - 2008

الإشكالية التي تعاني منها العمارة العربية المعاصرة تكمن في ثلاث قضايا رئيسة هي التعليم، والتقنية، والنقد. وهذه القضايا متشابكة ويصعب فصل بعضها عن بعض إذ إنه غالبا ما يكون التعليم سببا في التطور التقني وبروز مدارس فكرية نقدية تجعل العمارة ضمن النسق الثقافي العام للأمة. كما أن النقد في جوهره عملية تعليمية اساسية تعمل دائما على تصحيح التعليم والمجتمع وتوجد نوعاً من التطور الفكري. على أن عملية النقد ذاتها بحاجة إلى مساهمة عدد كبير من المفكرين ليس فقط في مجال التخصص بل في كافة المجالات الإنسانية والتقنية وهو ما يمكن أن نطلق عليه "وحدة النقد".
في عالمنا العربي لا نستطيع أن نرى هذه الوحدة ولا نجد من يعمل على تحقيقها، وفي مجال العمارة على وجه الخصوص لا يوجد إلا قلة من يهتم بهذا النقد ويحاول أن يقدم فيه دراسات جادة ممكن أن تساهم في تطوير العمارة بشكل عام والتعليم المعماري بشكل خاص. ربما يكون هذا أحد الأسباب التي تزيد من حجم المسؤولية الفكرية لطرح بعض الأفكار النقدية التي يمكن أن تساهم في وجود ما نتمناه من حراك نقدي فكرى نفتقده بشدة.
إن أي محاولة للتنظير هي محاولة للبحث عن الحقيقة، ولأن الحقيقة تحمل وجوهاً متعددة ويتغير فهمنا لها مع تغير معرفتنا، لذلك فإن الحقيقة التي نتوق إليها هنا هي حقيقة نسبية يمكن إعادة صياغتها مع تراكم الخبرة لدى كل منا. يرى وائل غالي "أن تعبير الذات عن الحقيقة لا يستنفدها، بل إنه لا يقولها وإنما يشير إليها أو يرمز لها، فالحقيقة ليست في ما يقال أو في ما يمكن قوله، إنما هي دائما في ما لا يقال، في ما يتعذر قوله، إنها دائما في الغامض الخفي اللامتناهي. والحقيقة إذن ليس في ما نقدر أن نشرحه، لأن الشرح من ميدان العقل، وإنما هو في ما لا نقدر أن نشرحه، أي في ما نقدر أن نتذوقه أو لنقل، الحقيقة تجربة قلبية لا تجربة عقلية". ولعل أحد الأسباب التي تجعلنا في حالة بحث دائم عن اطر نقدية هو توقنا لمعرفة الحقيقة التي لا نستطيع أن نشرحها مباشرة، فعندما نشاهد الشكل المعماري نحن نتطلع لتلك الحقيقة التي نراها باطنة داخل الشكل ونفسرها كل مرة بطريقة مختلفة كلما ازددنا معرفة بالشكل وظروف صناعته، بل وحتى بأنواعه، فليس كل الأشكال نوعاً واحداً.
في البداية لابد أن نوضح أنه لا يوجد نقد من دون منهج، وإخضاع العملية النقدية لمنهج علمي أكاديمي غالبا يتطلب رؤية واضحة ومحددة. لذلك فأنه من الضروري أن نخضع التجربة المعمارية المعاصرة في العالم العربي لدراسة منهجية "تفسيرية" وما نقصده هنا هو بناء آلية تفسيرية يمكننا بها قراءة الشكل المعماري المعاصر في العالم العربي. ومع ذلك يجب أن نعي أن النقد المعماري في قالبه النظري هو البحث عن المعنى، وغالبا ما يكون المعنى مجازيا يصعب تحديد ماهيته بدقة. يرى ابن جني أن المجاز هو الخروج على استعمال اللغة طبقا لحقيقتها، أي لما وضعت له أصلا. فالمجاز في اللغة العربية أكثر من أن يكون مجرد أسلوب تعبيري، إنه في بنيتها ذاتها، وهو ما يشير إلى حاجة النفس لتجاوز الحقيقة، أي: لتجاوز المعطى المباشر. وهو يقيم بين الكلمات والأشياء "علاقات احتمالية" يتعدد بها المعنى، مما يولد اختلافا في الفهم يؤدي إلى اختلاف في الرأي وفي التقويم. البحث عن المعنى يمثل حالة "معمارية" من نوع خاص، وما يمكن أن نطلق عليه "البلاغة المعمارية" هي مسألة يصعب تحديد حدودها ومفهومها من دون خوض عميق فيما يعنيه الشكل المعماري. "التفسير المعماري" هو جزء من حالة البحث عن المعنى في العمارة التي دعت كثيرين لربط العمارة بعلم اللسانيات مثل الناقد (شارل جانكز) في كتابه "السيمياء والعمارة" والمفكر (رابابورت) في كتابه "معنى البيئة المبنى" وكلها محاولات تبحث في معنى "المعنى" المعماري.
والحقيقة إن المعنى في جوهره هو محاولة لتحديد الهوية وفي العمارة تظل "الهوية" حالة مثيرة وغاية يسعى إلى تحقيقها كثير من المعماريين. إن الهوية في جوهرها تعبر عن علاقات احتمالية بين الشكل المعنى، وهذه العلاقات غالبا ما تتحول مع مرور الزمن وتغير الظروف المحيطة. من هنا لا تتيح الهوية إعطاء جواب نهائي؛ لأنها في ذاتها مجال لصراع التناقضات الدلالية. وبهذا تظل الهوية عامل توليد للأسئلة، وهو ما تحاول ان تؤكده هذه الدراسة التي ترى في الهوية مجالا لا محدودا من الأسئلة المفتوحة التي غالبا ما تقود إلى تفسير جديد للبيئة والشكل المعماريين رغم بقاء الشكل بصريا كما هو في بعض الحالات. أن الطابع الاجتماعي للهوية لا يؤدي إلى تقديم أي جواب قاطع، حتى وإن كان الطابع البصري يوحي ببعض الثبات، ذلك أنه في ذاته مجال لصراع التناقضات الدلالية، هكذا لا تولد الهوية إلا مزيدا من الأسئلة وهذا ما يجعلها من الناحية المعرفية عامل قلق وإقلاق، لا عامل وثوق وطمأنينة، ولعل هذا يفسر غموض "الهوية" كمصطلح، لكونها فكرة تحتاج إلى تعريف محلي وزمني، إي ان تعريف الهوية يجب ان يخضع لظروف المكان والزمان وهذا ما يجعل تعريفه ذا طبيعة متغيرة.
هنا يصبح الاختلاف في معنى الهوية في لا مرجعيتها، أي في كونها ابتكارا، كأنها بداية دائمة، ولا ماضي لها (وهي اشكالية فلسفية كبيرة لكون الهوية في كثير من الأحيان تقوم على الرؤية الماضوية). إن الهوية حركة نفي للموجود الراهن بحثا عن موجود آخر، وبما أن كل مجاز تجاوز، فإن الهوية تجاوز يصلنا بالبعد الآخر للأشياء (بعدها اللامرئي).
البعد اللامرئي للهوية هو المعنى الذي يظهر متعددا وقابلا للتفسير بتعدد المفسرين للشكل المعماري ذاته (أو لأي شيء آخر). والنقد المعماري (بكل مناهجه) يجب أن يخوض في المعاني المتعددة التي يمكن ان يقدمها لنا الشكل. ويبدو أن هذه المسألة لا تحظى باهتمام أحد في العالم العربي ولا تستثير أياً من المدارس المعمارية التي صارت تخرج مهنيين وحرفيين في مجال العمارة من دون أن تصنع أي فكر أو مفكريين معماريين. العمارة من دون نقد هي إبحار في المحيط من دون بوصلة فإذا ما أوصلتنا السفينة للشاطئ الآخر سيكون هذا مجرد مصادفة ليس إلا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.