إنه شاعر صعلوك مُعْدَم، وقد سلطه الله على شاعرٍ مهاب مشهور مغرور هو بشار بن برد الشاعر الأعمى الذي يقدم أوصافاً لا يستطيع عليها المبصرون: «كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافَنا، ليلْ تهاوى كواكبُه» صورة فنية مركبة في غاية البلاغة والجزالة.. ومع شدة غرور بشار واعتداده بنفسه فإنه كان يخاف من ذلك الشاعر الصعلوك أبي الشمقمق، لأن الأخير ليس لديه ما يفقده فهو مغمور محقور يبحث عمن ينام عنده لأنه بلا بيت، يقول: «برزتُ من المنزل والقباب فلَم يعسِرْ على أحدٍ حجابي فمنزليَ الفضاءُ، وسقف بيتي سماء الله أو قِطَعُ السحاب فأنت إذا أردتَ دخلتَ بيتي عليَّ مُسلِّماً من غير بابِ لأني لم أجِد مِصراعَ بابٍ يكونُ من السحابِ إلىالتراب» ولم يكن له مركوب: «أَتُراني أرى من الدهر يوماً لي فيه مطيِّةٌ غيرُ رِجْلي؟ وإذا كنتُ في جَمْعٍ فقالوا قرِّبوا للرحيلِ قدّمتُ نَعْلي حيثما كنتُ لا أُخَلِّفُ رَحْلاً مَنْ رآني فقد رآني ورحلي»! ومع أنّ بشاراً كان كريماً (ولعل هذه الخصلة الوحيدة الجيدة في أخلاقه) إلاَّ أنه كان يغتاظ إذا أعطى أبا الشمقمق مالاً، لأن الأخير (شحّاذ ومعه عصا) فهو يكمن لبشار إذا عرف أنه عائد من خليفة أو أمير، ثم يصرخ به: «هلُمَّ الجزية يا أبا معاذ»!.. وعلى كثرة ما أعطاه بشار فإنه لا يشكر بل يعتبرها حقاً له، حتى فاض الأمر ببشار ذات يوم وقد عاد بكيس من الدنانير مكافأة من الخليفة على المديح، فنط له أبو الشمقمق وصرخ به: هلم الجزية يا أبا معاذ!.. فغضب بشار وقال: ويلك أهي جزية؟! قال: نعم! هو ما تسمع!.. قال بشار: أأنت أفصح مني؟ فقال لا: أضاف: فأشعرُ مني؟ قال: كلا، سأل: فأعلم مني بمثالب الناس (وكان بشار هجَّاءً مقذعاً) فرد: لا.. قال: فلِمَ أعطيك؟! قال: لئلاً أهجوك! رد باشر: إن هجوتني هجوتك، غضب أيو الشمقمق وقال مهدداً: كذا هو؟ قال: نعم فقل ما بدا لك! فأنشد وهو يصفق بيديه: «إني إذا ما شاعر هجانيهْ ولج في القول له لسانيهْ أدخلته في «.....» علانيه بشار يا بشار يا ابن....» فوضع بشار يده على فم أبي الشمقمق حتى لا يكمل، وأعطاه مئتي درهم وابتسم له وقال: كنت أمزح معك با ابن أخي، لا يسمع هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق! هذان الشاعران جزء صغير من موكب هائل كبير من شعراء العرب ضاعت مواهبهم العظيمة في الاستجداء بالمديح والهجاء وعلى رأسهم كبير شعراء العربية أبو الطيب المتنبي..