الموت حق مفروض علينا، ولا مفر من ملاقاته، شئنا أم أبينا، ولا اعتراض على حكم المولى جل شأنه، ولكن فقد الأحبة الاعزاء مر وقاس وحسرة ولوعة، وواجب علينا ايضا ان نتذكر من رحلوا عنا من مبدأ قول رسولنا الكريم (اذكروا محاسن موتاكم) فما بالك اذا كان الفقيد كله محاسن؟ لقد خفقت قلوب اهل واصدقاء ومحبي الأخ والصديق الشيخ فهد الزبن الاسلمي الاسبوع الماضي، حين رحل فجأة بحادث أليم مؤسف ومفجع راح ضحيته هو وزوجته وثلاثة من اولاده، بحادث سير شنيع بسيارته الخاصة حين ارتطمت بهم شاحنة كبيرة على طريق الشمال، الذي عرف بطريق (الموت) لكثرة حوادثه وفجاعتها، من اثر السرعة الزائدة وتهور قادة المركبات، وقد توفى في الحال هو وزوجته وثلاثة من أولاده رحمهم الله جميعا، ولا اعتراض على قدرة الله. فقد هزنا جميعا نبأ رحيل الشيخ فهد الزبن لما كان يتحلى به من سمعة طيبة وأخلاق حميدة وخصائل فريدة، فكان (رحمه الله) مثالا حيا يضرب به المثل ويحتذى به في الصدق والرجولة والكرم والشهامة والتواضع ومساعدة الآخرين وكيف نستطيع اختصار سيرته الذاتية ناصعة البياض في كلمات بسيطة، حيث كان فقدانه مؤثرا على كل القبيلة وكل من عرف هذا الرجل الجليل، فكان الأخ الناصح والصديق الصادق النزيه العفيف المساعد للآخرين وكريم الطباع، حميد الأخلاق ذائع الصيت الطيب، وكان جوهرة من أجود الجواهر وأنقاها، ومن الرجال القلائل الذين يصعب تكرارهم في مجتمعه في هذه الايام، فهو جامع شامل الخصال ورجل متمرس وواع ومدرك من الوزن (الثقيل) وفريد في سلوكه، ومتفرد بين اقرانه في طباعه، وله اياد بيضاء ومشاركات نبيلة وكان يشكل نقطة ضوء في مجتمعه البدوي الشمالي، كبير في حجمه وفي قلبه مثلما هو كبير في عطائه واخلاقه وخصائله، ويتحلى بالدفء الانساني اللامحدود ودماثة الخلق والنبل والرجولة. لقد جمعتني به عدة مناسبات في منزله وفي السفر وفي رحلات الصيد والمقناص وكان نعم الرجل ونعم الصديق ونعم المعشر، ويعد فارسا من فرسان قبيلته، وكان الفاضل بحق والفارس النبيل بجدارة، ويتمتع بروح طيبة ونقية وصافية ملأت كل مكان كان يحضره، يقوم على سلطان العقل المتوازن والفكر الراجح والصبر الطيب والسلوك الحميد الذي يتكىء على سلم أخلاقيات وقيم انسانية نادرة في زمن (النفاق والكذب والتملق والتلوين) فكان قادرا على قول الحقيقة بدون مواربة، ومناصرة الشرفاء والضعفاء ومدرك حق الرجال ومنصفهم، الذين يتشبثون بقول الحق ويحملون المبادىء العالية السامية. ابوزبن، كان ديدنه مجالسة الرجال الخلص ذوي المعادن الاصيلة الطيبة، ولديه قدرة على استيعاب مخزون ذاكرة القبيلة الناصع، لشحن الهمم ورفع معنويات من يريد ان يهادن او يستسلم للمغريات او يرخص بنفسه امام متطلبات الحياة الصعبة على حساب الكرامة وعزة النفس الأبية. كان يحدث الشباب على مواصلة العمل ومساعدتهم وتشجيعهم على المثابرة والمبادرة لكسب العيش الرغيد واكتساب الرزق الحلال وعدم الاستسلام لليأس والكسل والهوان، ويحذرهم من الانحراف، ويشحن فيهم الهمم ورفع المعنويات لدى الشباب وكسب مزيدا من الطموح لتبوؤ المراكز المتقدمة لخدمة الوطن والمجتمع. لقد هالني فقد الشيخ فهد الزبن وهو في أوج عطائه وعنفوانه وكبريائه، فهو معدن اصيل ومخزون عطاء لا ينضب، وكان يكدح ويتنقل بين البلدان لكسب مزيد من الخبرات ولنيل المعالي والمجد ولكسب الرزق الحلال وربما كسب أموالا طائلة لا حصر لها بفضل جهده وتعبه وعلاقاته الديناميكية بمعرفة الرجال وعلاقاته الواسعة، ولكنها سرعان ما تتبدد هذه الاموال بفضل كرمه الحاتمي اللامحدود وأحيانا اللامعقول. فهو قامة كبيرة عالية لم تنحن الا لباريها، والرجال الكبار سيرتهم خالدة لا تذهب بذهاب ارواحهم الطاهرة، بل تبقى تبراسا فالفارس النبيل يرحل واقفا شامخا، وعزاؤنا هذه القيم التي أشاعها بيننا، وصادق العزاء لأنفسنا بفقد فهد الزبن ولجميع محبيه، وستبقى ذكراه بيننا قائمة، وستبقى سمعته نعم الرجل الرمز البدوي الشجاع الأصيل الوفي المخلص، كمثال معنوي ومدرسة تعلمنا منها الكثير من القيم السامية، فهو كريم سبلى وراعي اللحيسة، فقد رحل عنا من دار الفناء الى دار الخلود. رحمه الله .. (أبوزبن) رحمة واسعة إن شاء الله وجزاه الله عنا كل خير واسكنه فسيح جناته.. وعزاؤنا لأعمامه واخوانه وأبنائه (إنا لله وإنا اليه راجعون).