للمكتبات مع أصحابها قصصٌ ومواقف، وأيضاً طرائف وأشجان تستحق أن تروى، "الرياض" تزور مكتبات مجموعة من المثقفين، تستحث ذاكرة البدايات، وتتبع شغف جمع أثمن الممتلكات، ومراحل تكوين المكتبات.. في هذا الحوار الكُتبي نستضيف الأديب عبدالرحمن بن إبراهيم الجاسر عضو النادي الأدبي بالرياض والقاص والكاتب السعودي حول مكتبته التي وصفها بقوله: مكتبتي المنزلية متوسطة، تكونت في مرحلة مبكرة في مسقط رأسي في الربيعية بالقصيم درجاً صغيراً يحوي قصص أطفال، وكتاباً من والدي -رحمه الله-، ونمت بنموه المعرفي حتى حوت مراجع ومصادر وعناوين، واحتلت جزءاً من منزلي ووقتي وجهدي.* في أيِّ مرحلة تعرَّفتَ على الكتاب؟ * يقول هنري ميللر في كتابه الكُتب في حياتي: «أحد أول الأشياء التي أربطها بقراءة الكتب هو الصراع الذي خضته من أجل الحصول عليها «، فالحصول على الكتاب في مرحلة مبكرة لطفل يعيش في بلدة ريفية هي «الربيعية « من حواضر القصيم، أعتبره حالة فوز والتي يسبقها مرحلة التعرف على الكتاب وغالباً تكون على عدة مستويات فالطفل يتعاطى مع الكتاب كصندوق للحكايات الممتعة وباب لقصص الأبطال الخارقين أو نافذة للروايات الشعبية والأساطير التي كنت كأي طفل أتوق لقراءة كُتب الأطفال سواء المصورة أو المكتوبة وهي كانت البوابة الأولى نحو عالم الكتب والمعرفة ويقول مانغويل: «تعلم القراءة يفسح المجال أمام الطفل للدخول إلى قلب الجماعة ويصبح مطلعاً على تراث الماضي المشترك «. وربما كان جزءًا من الدافع لي نحو الكتاب هي محاولة تشارك المعلومة والقصة والرأي مع الأصدقاء آن ذاك. * هل تتذكر بدايات تأسيس مكتبتك المنزليَّة؟ * هي بداية مبكرة نوعاً ما بحكم أن والدي -رحمه الله- ممن يهتم باقتناء الكُتب ففي المرحلة الابتدائية كان مفهوم المكتبة لم يكن حاضراً بشكلٍ واعٍ، لكن كان لديّ أدراج صغيرة فيها بعض القصص والمجلات، وتكبر هذه المكتبة ويزداد حجمها بحجم الوعي النوعي بقيمة الكتاب واختياره مع نضج السنين والأيام. * ماذا عن معارض الكُتب، ودورها في إثراء مكتبتك؟ * معارض الكُتب محطة مهمة لكل مثقف، ليس فقط على مستوى الاقتناء بل هي منصة ثقافية يقرأ من خلالها المهتم مسارات وتحولات الحركة الثقافية داخلياً وإقليماً، وكذلك على المستوى الشخصي، معارض الكُتب فرصة سانحة لملء فراغات مكتبتي من عنوانات ناقصة، أو كُتب جديدة تستحق الاقتناء. * ما أبرز المنعطفات التي رافقت نموَّ مكتبتك الشخصية؟ * المكتبة الشخصية هي إحدى أهم الانعكاسات لاهتمام المثقف ومساره المعرفي فأي تطور في تكوينه العلمي يلقي بظلاله على رسم خطة تكوين مكتبته سواء شغفه بنوع أو فن أو تخصص معين أو من خلال اهتمامه العام بالمعرفة، وأنا لست استثناء تنمو مكتبتي نوعاً وكماً مع كل مرحلة حيث تنضج الاختيارات وتتسع المدارك ويقل الشغف في نوع ويزداد في نوع جديد فالاهتمامات تتحدث وتتطور وهذه طبيعة الثقافة وتحولاتها. وربما أهم الانعطافات التي أثرت باعتقادي على الثقافة بشكل عام وليس مكتبتي وهو تعدد أوعية المعرفة بشكل عام وتعدد أنماط الكتاب بشكل خاص من كتاب ورقي إلى صيغ أخرى إلكترونية وصوتية وتفاعلية ولكن يبقى للكتاب الورقي حضوره وكما قال آلبرتو مانغويل في تاريخ القراءة «إن هذا الكتاب الجبار هو المصدر الوحيد للمعرفة لنا نحن معشر البشر الفانين» قد أختلف بأنه المصدر الوحيد لكنه المصدر الأهم والبقى. * حدثنا عن أوائل الكُتب التي دخلت مكتبتك؟ * مجلات الأطفال كوعاء معرفي هي غالباً بداية لكل مكتبة شخصية، ثم كُتب روايات الجيب وبعض الدواوين الشعرية أذكر منها ديوان أبي تمام والبهاء زهير. * ماذا عن نصيب الكُتب القديمة والنَّادرة؟ * لستُ شغوفًا بجمع نوادر الكُتب وقديم الطبعات بقدر ما يمثله الكتاب من قيمة في محتواه وموضوعه ومضمونه وإن كنت أقدر أصحاب هذا الاهتمام وأحترم كثيرًا ما يبذلونه من جهد في جمع نوادر الكتب والطبعات فهي قيمة عظيمة وهواية جليلة يكفي أنها ارتبطت بالكتاب ولكن لا أذكر أن لدي منها إلا النزر اليسير. * هل لديك شيءٌ من الصُّحف والمجلات القديمة؟ * لا أحتفظ حقيقة بالمجلات والصحف إلا الصفحات التي تحتوي على مقالات لي أو مقالات تثير اهتمامي إما قديم الأعداد أحتفظ بمكتبتي بأعداد قديمة نسبيًا من بعض المجلات ونسخ مصورة من بعضها الآخر. * ما أطرف العناوين الموجودة في مكتبك؟ * ذكرتني بكتاب اقتنيته من سنوات عنوانه «جولة في كُتب غريبة» يستعرض فيه المؤلف أغرب الكُتب عنواناً ومضموناً، ولعل أطرف عنوان في مكتبتي رسالة للشيخ ابن سمحان -رحمه الله- هل الساعة سحر أم صناعة. * ما أبرز المصاعب التي حصلت لك أثناء البحث عن الكُتب؟ * أعتقد أبرز ما يعانيه كل مهتم بالكتاب أن بعض الكُتب المهمة لا يعاد نشرها فيصبح الحصول عليها صعباً أو مستحيلاً، كما أن الأسعار المبالغ فيها هي هاجس مقلق لكل مهتم. * ما أبرز الكُتب التي تحرص على قراءتها بما أنك مُهتم بالكُتب؟ * خطة القراءة تكون غالباً على مستويين الأول قراءة تراكمية بنائية، وهي قراءة عامة للكُتب التي على جدول القراءة وسلمها و أسميها قراءة أفقية، والمستوى الثاني القراءة التحضيرية وهي التي أتكئ عليها لكتابة بحث أو مقالة أو ورقة عمل وهي التي ممكن تسميتها القراءة الرأسية التي تسلط الضوء على موضوع محدد لمهمة محددة لفترة محددة. * هل تقرأ أو تقتني الكتاب من خلال توصيات أو بانتقاء شخصي؟ * يقول هنري ميللر في الكتب في حياتي: «الكتاب يبقى حياً عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ لآخر ولا شئ يمكنه أن يخنق هذا الحافز الأساسي عند الكائن البشري»، لا يمكن لقارئ أن ينفرد باختياراته دائمًا فدائرة التفاعل المتصلة بالكتاب والمشهد الثقافي هي جزء مهم من صناعة القرار على سبيل المثال كنت أقرأ قبل سنوات مقالاً للدكتور عبدالعزيز الخويطر -رحمه الله- بعنوان: «جامعة في كتاب» يتحدث عن كتاب سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون لابن نباتة المصري اقتنيت الكتاب ووجدته لا يقل عن وصف الدكتور كتاب غني بالمعاني والتراحم والنوادر الأدبية واللغوية والفوائد، وهو شرح لرسالة ابن زيدون الهزلية، قرأت الكتاب واقتنيت بعده كتاب تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون للصفدي وهو شرح للرسالة المعروفة بالجدية، وعلى هذا لا يمكن الخروج من دائرة التأثير في اختيار الكتاب في الغالب، وفي زيارة المعارض والمكتبات فنحن ننتقي الكُتب حسب العنوان والمؤلف والتخصص وغيرها من الأسباب. * حدثنا عن نتاجك الأدبي ومشاركاتك الثقافية؟ * أنا مقل جداً في التعاطي مع المطابع ربما لأنني ألعب على الموازنة التي يشير إليها موريس بلانشو في كتاب أسئلة الكتابة «إيصال الإنتاج الأدبي لا يكمن في كون هذا العمل أصبح قابلاً للوصول إلى القارئ بواسطة القراءة؛ العمل الأدبي هو صراع بين لزوم القراءة ولزوم الكتابة بين اعتدال الإنتاج الأدبي الذي هو إمكان و مقدرة وإفراطه الذي يميل للاستحالة بين الشكل والعزم» أو ربما هو الانشغال والتراخي. حيث صدر لي مجموعة قصصية «حياد» ومجموعة نصوص «ملهمتي» وشاركت إعداد بعض الملفات والبحوث والأوراق الثقافية * هل تستفيد أسرتك من مكتبتك في الاطلاع وإعداد البحوث؟ * نعم مكتبتي في قسم منها متاحة ومكان للجلوس ويجدون فيها ما يساعدهم على بحوثهم المدرسية ولكنهم ضمن نسق عام منصرف عن القراءة التقليدية إلى أوعية معرفية حديثة وترفيهية أقل صلابة من الكتاب الورقي. وأعترف بتقصيري في خلق الحوافز المناسبة في الدفع بهم في هذا الاتجاه * هل يوجد من قراءاتك كُتب لا تزال عالقة في الذهن، وما الأسلوب الروائي الذي يعجبك؟ * أغلب القراءات تكون عالقة بالذهن بشكل أو بآخر ولكن القراءات أو الكتب التي ترتبط بموقف أو قصة تكون عالقة أكثر وقد ذكرت أعلاه كتاب سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون وأذكر مرة حضرت ندوة للأديب الكبير الوزير غازي القصيبي -رحمه الله- وأهداني كتابه حياة في الإدارة ممهوراً بتوقيعه ففرحت بالكتاب وقرأته أكثر من مرة، أما فيما يتعلق بالرواية لاشك أن كلاسيكيات الأدب الروسي الروائي الواقع يمثل ليو تولستوي ودوستويفسكي وغيرهم مهمة بالنسبة لي، ومن آخر قراءاتي رواية «حصيلة الأيام» لسيدة الواقعية السحرية إيزابيل الليدي بترجمة صالح علماني. * ماذا تُفضل المكتبة الورقية أو الرقمية، وما السبب؟ * كل وسائط المعرفة مهمة والكتاب ورقيًا ورقميًا هو كتاب في نهاية المطاف والمستقبل المعرفي لن يتوقف عن التطور والنمو ويجب أن تكون منفتحين تجاه هذا المستقبل ولكن تظل لحميمة الورق و ملمسه ورائحته عشق خاص فالكتاب الورقي وتهميشات قلم الرصاص و تخطيطاته طقوس للقراءة عندي ومع ذلك فالكتاب الرقمي ونسخ PDF أسهل تداولاً و وصولاً. * ما القراءة بنظرك؟ * القراءة هي ما يقول هبيترهاندكه عن الأدب في حوار رائع لجمانة حداد في كتاب صحبة لصوص النار: «ساعدني الأدب لكي أعي أني هنا.. إنه أعمق ما يمكن أن نعيشه هو لا يغير الحياة بل يوقظها» وكذلك القراءة بالنسبة للمثقف هي مشاركة وتواصل وحياة وانفتاح على أفكار جديدة ورصينة وهي وعي واستقلال وقوة، كما أن القراءة هي امتداد للحضارة البشرية فإذا سقطت القراءة وهمشت فلا بد أن تهتز هذه الحضارة و أن يضعف هذا الامتداد، القراءة بنظري هي سباحة في ملكوت الكون، وركوب لآلة الزمن، وسياحة بلاد العجائب والأفكار غالباً ما نعود منها باختلافٍ ما. * كلمة أخيرة؟ * كل الشكر والتقدير لجريدة «الرياض» على هذه الزيارة الميمونة لمكتبتي المتواضعة، وهذا الدور الفاعل لكم في كل ما يخدم الثقافة ويعززها، وما تسهم به جريدتكم الغراء في ميادين المعرفة في وطننا الغالي. تكريم الجاسر من الأمير خالد الفيصل لحصوله على جائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي