لا تخلو حضارة من الإشارة -ولو من بعيد- إلى العلاقة الوطيدة التي تربط بين الأدب وفصل الشتاء؛ إذ يكون البرد القارس، والأمطار الهاطلة، والرعد الدَّاوي، والبرق اللامع وغيرها أسباباً تجعل الفرد يقبع في بيته التماسًا للدفء إلى جوار مصدر من مصادر الحرارة، يكون في الغالب هو المدفأة، ويزجي وقته بالقراءة. بل إن الأسرة بأكملها كانت تتجمع في ليالي ديسمبر ويناير وفبراير القارسة حول المدفأة، وفي يد كل واحد من أفرادها كتاب، يكون في الغالب رواية من الروايات الطويلة. وكأن القراءة تقدح في ذات القارئ زِناد المعرفة والدفء معًا، فلا يتفق ذلك إلا مع هذا الفصل الغائم البارد. وكما يَشيع الدفء في الحجرة بفضل الحطب الذي تحرقه نار المدفأة، فكذلك تقوم القراءة باستهلاك كلمات الكِتاب/ الرِّواية، ناشرة نور المعرفة ودِفأها بين ثنايا الخلايا الرمادية للقارئ. يتدثر أفراد العائلة بملابس ثقيلة تقيهم برودة الجو، وأحياناً بأغطية يلتمسون بها شيئاً من الدفء في مقاعدهم الوثيرة حول المدفأة، ثم يدفن كل واحد منهم رأسه في روايته. وقد يحدث أن يقطع أحدهم الصمت المخيم على الغرفة بإبداء ملاحظة، أو إظهار إعجاب بحيثية معينة، أو إلقاء سؤال... وهو ما قد يحيل صمت الحجرة إلى ساحة نقاش، يتبادل فيه الجميع الآراء والأفكار، والدعابات أيضاً، قبل أن ينكب كل واحد على روايته من جديد إلى حين انتصار سلطان النوم، فيتفرق الجمع؛ كل واحد إلى غرفته. حدث هذا في زمن لم يكن فيه للفيسبوك، أو الإنستغرام، أو التويتر، أو الإنترنت بصفة عامة... أيُّ وجود، بل إن الكهرباء لم تكن معروفة؛ لذلك فالمقارنة الساذجة والبسيطة بين الأمس واليوم، تجعلنا مشدوهين من كمِّ الدفء الذي كان يسود العلاقات الإنسانية والعائلية في الماضي، مقابل البرود الذي نلمسه حالياً، والذي يرتبط أساسًا بإحكام وسائل التواصل الاجتماعي لسيطرتها علينا، وعلى حياتنا، وعلى مختلف العلاقات التي ننسجها مع غيرنا؛ فجعلتنا بالتالي نعيش في جزر شبه معزولة. وتعود هذه العلاقة الوطيدة بين القراءة وفصل الشتاء إلى قرون خلت؛ فهذا «جُون فْرْوَاسَار Jean Froissart» مثلاً يؤكد أنه «بقدوم الشتاء وما يصحبه من رداءة الأحوال الجوية، وحتى لا يشعر الإنسان بالملل، فلا بد أن ينكب على قراءة الروايات». وإذا كان الشتاء يُنظر إليه بوصفه أفضل الأوقات للقراءة، فيرتبط الأمر في الحقيقة بعدم قدرة الناس في الماضي على مغادرة منازلهم؛ وذلك بالنظر إلى صعوبة مواجهة كل من الجو العاصف والبرد الصقيعي؛ فوسائل التدفئة آنذاك كانت محصورة في المدفأة فقط، وخارج البيت لا وجود لأي مصدر دفء. وقد تم تمثيل هذا حتى في روايات الفروسية الأوروبية؛ إذ نادراً -إن لم يكن مستحيلاً- أن نجد الفرسان يتبارزون ويتصارعون في فصل الشتاء؛ لذلك فهم ينتظرون مقدم فصل الربيع لاستكمال نشاطاتهم الحربية والسياسية، ومغامراتهم الشخصية. وبعودتنا إلى هذه الحقبة الجميلة، نجد أن التاريخ الأدبي الأوروبي، لاسيما الفرنسي، يحكي لنا عن أهم الاستعدادات التي تقوم بها النخبة المثقفة استعداداً لهذا الفصل؛ حيث ينشغلون -بالإضافة إلى مسألة توفير الحطب والمؤونة اللازمين- بتكديس الروايات الممتعة والطويلة، التي ستملأ ليالي شتائهم المديدة. استعدادات تذكرنا بالحكاية الخرافية الشهيرة التي وردت في حكايات «جون دو لافونتين Jean de La Fontaine» (1622-1695)؛ وأقصد حكاية الزِّيز والنملة La Fourmi et la Cigale، وخاصة النملة التي كانت تتهيأ لفصل الشتاء بالبحث عن الحبوب ومختلف أنواع الطعام وتكديسها ترقباً لاستهلاكها في وقت القرّ والثلج. الشتاء، إذن، فصل يُستعد له على جميع الأصعدة، وحتى على مستوى التزود بغذاء الروح والفكر والخيال، تمهيداً لقضاء وقت ممتع، حميمي، ودافئ بالخصوص. لذلك تجد أن فرنسا عرفت انتشار نوع روائي عُرف ب»الرواية النَّهر» Roman Fleuve؛ وهي رواية طويلة للغاية مكوَّنة من عدة أجزاء تشكل كُلاًّ متكاملاً؛ بحيث تحضر فيها بأكملها نفس الشخصيات، غير أنها، أحيانًا، تتيح إمكانية قراءة الأجزاء متفرقةً. وبالنظر إلى ضخامة هذه الروايات، فهي تقدم نظرات متعددة ومتباينة، بتعدد الشخصيات وتباينها، للعالم، كما أنها تحتاج إلى فترة كبيرة وإلى نَفَسٍ طويل من أجل إتمام قراءتها؛ وهذا ما يناسب بالضبط طبيعة فصل الشتاء. وقد انتشر هذا النوع من الروايات وازدهر في أوروبا بشكل واسع ابتداء من القرن السابع عشر، وإلى حدود ثلاثينيات القرن العشرين تقريباً. ومن أهم نماذج هذا النوع الروائي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: رواية أسْتْرِيه L'Astrée ل «أونوري دورفي Honoré d'Urfé»: تعتبر من أهم الأعمال الأدبية في القرن السابع عشر؛ وذلك بالنظر إلى أنها أول رواية معروفة من هذا النوع، قاربت صفحاتها الستة آلاف صفحة مقسمة على ستين كتاباً، وامتدت سنوات نشرها من سنة 1607 إلى سنة 1627. تحكي أساساً، وباختصار شديد، قصة الحب التي جمعت بين البطلة «أستريه» و»سيلادون Céladon». أرْتامين أَوْ سِيرُوس الكبير Artamène ou le Grand Cyrus ل «مادلين وَجورج سكوديري Madeleine et Georges Scudéry»: واحدة من أهم روايات هذا النوع في القرن السابع عشر، امتدت سنوات نشرها من سنة 1649 إلى سنة 1653. لا تزال تعتبر إلى حدود هذه اللحظة أطول رواية فرنسية على الإطلاق؛ حيث يفوق عدد صفحاتها الثلاث عشرة ألف صفحة، تحكي عن مجموعة من الشخصيات المعاصرة في القرن السابع عشر. جون كريستوف Jean-Christophe ل «رومان رولان Romain Rolland»: رواية ضخمة من أهم روايات القرن العشرين، مقسمة إلى عشرة كتب، امتدت سنوات نشرها من سنة 1904 إلى سنة 1912، وقد كانت من بين الأعمال التي مكنت صاحبها من الحصول على جائزة نوبل في الآداب سنة 1915. تحكي على العموم قصة حياة الموسيقي الذي تحمل الرواية اسمه من يوم ولادته إلى حين مماته. أما في ثقافتنا العربية، فلا نكاد نجد إشارة إلى تكديس الكتب استعدادًا لفصل الشتاء، وذلك لعدة أسباب لعل أهمها أن فصل الشتاء في الصحراء العربية أرحم من نظيره في أوروبا أو في آسيا، وأيضاً -وهذا هو الأهم- أن العرب لم يستعملوا الكتابة إلا مضطرين؛ فقد كانوا قومًا يعتمدون الكلام وقوة الحافظة والقدرة على السرد والتغني بالشعر، عوض الكتابة وتدبيج الدفاتر والصحائف. لذلك تجد الشاعر العربي يستحضر في قصيدته ما يحتاجه في فصل الشتاء من حاجيات بدون أن يذكر الكتاب لا من قريب ولا من بعيد؛ ومن ذلك ما يعرف في الأدب العربي بالكافات الشتائية ل «ابن سكرة»؛ حيث قال: جَاءَ الشِّتَاءُ وَعِنْدِي مِنْ حَوَائِجِهِ سَبْعٌ إِذَا الْقَطْرُ عَنْ حَاجَاتِنَا حُبسَا كِنٌّ وَكِيسٌ وَكَانُونٌ وَكَأْسُ طِلًى مَعَ الْكَبَابِ وَكِاعب نَاعِمٌ وَكِسَا أي أن الشتاء يقتضي بالنسبة إلى العربي أن يوفر المسكن (كن)، والمال (كيس)، والموقد (كانون)، والماء والخمر (كأس طلا)، والأكل الفاخر (كباب)، والزوجة (الكاعب الناعم)، وأخيراً الثياب الدافئة (كسا) فقط لا غير، وبدون ذكر للكتب. لقد كان العربي مهووساً بالشعر، إنتاجاً واستهلاكاً، لذلك فقد كان جزءاً لا يتجزأ من حياته، وكأنه الهواء الذي يتنفسه؛ لذلك اكتفى العرب في علاقتهم بالشتاء بوصفه فقط، ومن ذلك مثلاً ما قاله «امرؤ القيس» في معلقته الشهيرة: أصَاحِ تَرَى بَرْقاً أُرِيكَ وَمِيضهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ فِي حَبِيٍّ مُكَلَّلِ يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ رَاهِبٍ أَمَالَ السَّلِيطَ بِالذُّبَالِ المُفَتَّلِ علاقة الأدب بفصل الشتاء علاقة وطيدة في مختلف الحضارات الإنسانية، جذورها ضاربة في التاريخ، وشهرتها ممتدة في الزمان؛ كيف لا والكلمة هي الشرارة التي تقدح نار الدفء في الإنسان؛ سواء أكان قارئًا أم مستمعًا. * أُستاذ مُبَرَّز في اللغة العربية، المغرب نبيل موميد