خلق الله الإنسان في هذه الحياة وهو يبحث عن كيانه الخاص , عن العالم الذي يشعر فيه بأنه الملك لا احد سواه , و هذا العالم وإن كان افتراضيا إلا أنه يحوي الكثير من الحقائق عن الإنسان نفسه وعن قيمه وأفكاره وتأملاته وطموحاته , كما يحوي جزءاً كبيرا من رغباته التي تخالط الواقع الذي يعيشه في كثير من الأحيان . وإن كنا نتحدث عن الكيان الإنساني فهذا يعني أننا نتحدث عن بيئات مختلفة وهي المجتمع ( بيئة التعارف والتعايش ) , وعن الأسرة ( بيئة السكن والتربية ) , وعن العمل ( بيئة الكسب والرزق) . وإن كنا نسعى إلى كيان مثالي فمن المفترض أن لا يشوب أيا من تلك البيئات السابقة نوع من التقصير أو الإهمال أو التشتت وعدم الاستقرار . ولعل بيئة العمل إحدى أهم الركائز التي ينبغي أخذها في الاعتبار , فالتأثير الذي تتركه هذه البيئة على نفسية الإنسان وطبيعته يظهر فحواه جلياً في أسرته ومجتمعه. فلا نبالغ إذا قلنا إن موقف الإنسان من وظيفته هو الذي يمكن ان يحدد ما إذا كانت أيامه المقبلة مليئة إما بالحماس والإثارة والتألق والإنتاج والذي ينجم عنه الوصول إلى المتعة و التوافق النفسي و المهني , أو بالخمول والإحباط والملل والإجهاد والذي ينجم عنه التكاسل والتخاذل والإهمال وسوء المزاج . إن التحديات المادية والاقتصادية , والحياة الروتينية , والضديات والمصالح الشخصية و الاجتماعية ؛ جميعها عوامل أفقدتنا الاستمتاع بمقومات السعادة و الراحة في البيئة العملية ؛ كما أنها أفقدتنا روح المحبة والانتماء للمؤسسة و العاملين بها ؛ لذا نجد الكثير من الموظفين ينظرون للمهنة ( أيا كان نوعها ) كمصدر رزق لا أكثر , فهم ينتظرون فقط العائد المادي بغض النظر عن العوائد المعنوية الأخرى , وأمثال هؤلاء الموظفين هم المعتلون نفسيا وجسديا و المتذمرون من القوانين والأنظمة ونقص البدلات و الحوافز , والمشيعون للمشكلات و التحزبات بين زملائهم و رؤسائهم في بيئة العمل . ولا يغيب عن أذهاننا فئة اعتنقت الحب للعمل والعاملين به ؛ فنجدهم يقضون معظم أوقاتهم في تأدية مهامهم و تسليمها على الوجه المطلوب ؛ وإن كانت في الحقيقة مجرد مهام عادية لكن تتخللها نية صادقة بتصميم وإرادة لتظهرها في صورة متكاملة وإبداعية . أمثال هؤلاء الموظفين هم من آمنوا بأن بيئة العمل هي موطن استثمار القدرات و استغلال الإمكانيات و توظيف المهارات على النحو الذي يضمن غزارة الإنتاج و جودته ؛ وهم من تيقنوا أن هدفهم هو الأداء بإتقان و ليس المادة ؛ وأن المردود المعنوي هو المردود الباقي والمؤثر في الأسرة والمجتمع والوطن . فما أحوجنا اليوم لبيئة عمل مثمرة وإيجابية ؛ وما أحوجنا إلى موظفين إيجابيين يؤمنون بأن العمل رسالة وشرف وهمة عالية تسود به الأوطان و ترتقي به الشعوب.