المتتبع لمسيرة العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية منذ العام 1948 لابد وأن يلاحظ أن تلك العلاقات ظلت تتسم بالانحياز السافر لإسرائيل، لكن بالرغم من ذلك، فإنه يمكن ملاحظة بعض المواقف التي خرجت عن هذا الإطار، حتى بالنسبة لقضية القدس التي عادت مرة أخرى إلى مسرح الأحداث الملتهبة على إثر اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تكون عاصمة لإسرائيل الأسبوع الماضي، من أمثلة ذلك، ربط الرئيس جورج بوش ضمانات القروض (العشرة مليارات دولار) عام 1991 بضرورة تجميد الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك القدس. كما تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل عندما قامت في 4 مايو 1952 بنقل مقر وزارة خارجيتها إلى القدسالمحتلة (كان العرب يعتبرون القدس الغربية أرضًا عربية محتلة في ذلك الوقت)، تجاوبت معها 17 دولة من إجمالي 56 دولة تعترف بإسرائيل، ونقلت بعثاتها إلى القدس. لكن واشنطن عبرت عن رفضها للقرار من خلال رسالة من وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون فوستر دالاس، فيما تراجعت تلك الدول عن القرار. وقد طرأ موقف هام للإدارة الأمريكية من قضية الاستيطان الإسرائيلي في القدس في عهد الرئيس أوباما،عندما أدانت الولاياتالمتحدةالأمريكية على لسان الناطقة باسم وزارة خارجيتها «فيكتوريا نولاند» إقرار ببناء وحدات استيطانية في القدس، معبرة عن خيبة أملها من ذلك، مؤكدة أن إصرار «إسرائيل على مواصلة النهج الاستفزازي في التعامل مع الفلسطينيين بما سيقوض جهود التوصل إلى سلام على أساس حل الدولتين». وهو موقف يأتي امتدادا لموقفها من قضية الاستيطان، حيث تبنت واشنطن بصفة عامة موقفا من الاستيطان يقوم على أنه عقبة في طريق السلام بين الجانبين، دون الإشارة أو التورط في الحديث عن شرعية الاستيطان وعدم قانونيته في ضوء قواعد القانون الدولي. ومع ذلك فإن الموقف الذي اتخذه الرئيس أوباما من الاستيطان الإسرائيلي في عام 2009 باعتباره ليس فقط مدانا وإنما أيضًا عقبة في طريق السلام وإقامة الدولة الفلسطينية يعتبر أحد المواقف الأمريكية التي خرجت عن إطار الانحياز السافر لإسرائيل. وفيما يعترف الكونجرس الأمريكي بأن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل الأبدية، فإن مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة بدءًا من الثمانينيات – تحديدًا منذ عهد الرئيس ريجان- ظل يقضي بأنه ينبغي تسوية مسألة القدس من خلال مفاوضات الحل النهائي. وينبغي ملاحظة أن خريطة الوكالة اليهودية لما قبل إعلان دولة إسرائيل في مايو 1948 لم تكن تتضمن القدس الشرقية ضمن أراضي تلك الدولة، كما أن الولاياتالمتحدة بموافقتها على قرار التقسيم الصادر في نوفمبر 1947 فإنها تكون وافقت ضمنًا على تدويل المدينة الذي نص عليه القرار. كما ينبغي الملاحظة أيضًا أن الاستيطان الإسرائيلي في القدس يشكل انتهكا واضحًا للقرارات الدولية التي أنكرت أي صفة قانونية للاستيطان أو الضم وطالبت بإلغائه وتفكيكه بما في ذلك الاستيطان في القدس الشرقية، ومنها قرارات مجلس الأمن رقم 446 لسنة 1979 الذي أكد علي أن الاستيطان ونقل السكان الإسرائيليين للأراضي الفلسطينية المحتلة هو أمر غير شرعي، كما قضي القرار رقم 452 في العام نفسه بوقف الاستيطان في القدس وعدم الاعتراف بضمها، ودعا القرار رقم 465 لسنة 1980 إلي تفكيك المستوطنات، وذلك إضافة إلي قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بهذا الصدد. وتعتبر محاولات الجماعات اليهودية المتطرفة هدم المسجد الأقصى من خلال الحفريات، وحفر الأنفاق تحت أساسات المسجد وجواره بقصد بناء الهيكل المزعوم في مكانه، هذه المحاولات تشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقية لاهاي وميثاق جنيف وقرارات الأممالمتحدة الصادرة بهذا الشأن، وعلى الأخص قرارات مجلس الأمن رقم 250 في 21/5/1968، ورقم 267 في 3/7/1969، ورقم 298 في 25/9/1971، والقراران 2253 و2254 بتاريخ 4 و14/7/1967 اللذان أقرتهما الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي أدانت جميعها الإجراءات الصهيونية الهادفة إلى تغيير المعالم التاريخية والدينية والحضارية لمدينة القدس، والتي تدعو جميعها إلى إلغاء كل الإجراءات التي من شأنها تغيير الوضع في القدس. كما صدر قرار الأممالمتحدة رقم 478 عام 1980 إثر إعلان إسرائيل القدس عاصمة أبدية وموحدة لها، الذي ينص على بطلان القوانين الإسرائيلية التي تعتبر القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، والذي يطالب جميع الدول التي أقامت بعثات دبلوماسية فيها بسحبها فورا. هذا التغير الدراماتيكي للموقف الأمريكي إزاء قضية القدس واعتبارها عاصمة إسرائيل، دعا صحيفة «نيويورك تايمز» إلى القول إن القرار يعتبر تغيرا دراماتيكيا في السياسة الأمريكية حيال هذا الموضوع التي تمتد سبعة عقود، حيث يعتبر ترامب أول رئيس أمريكي يتخذ هذه الخطوة منذ العام 1948، وإن من شأن ذلك تخريب جهود الوساطة من أجل التوصل إلى السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.