الفيروس العربي الذي أصاب الثورة الفلسطينية وأصابها في مقتل، جزأ حركة التحرير الفلسطينية (فتح) إلى فصائل، وفتحت الدول (الثورية) دكاكين لها في تلك الثورة، ولم تقتصر الدكاكين على الأنظمة الثورية، فقد فتحت الأحزاب القومية واليسارية ومن بعدهما الأحزاب الإسلامية دكاكينها. فبالإضافة إلى الصاعقة (سوريا) وجبهة التحرير العربية (العراق) أنشأت الجبهة الشعبية - القيادة العامة (القوميين العرب)، والجبهة الشعبية الديمقراطية (اليسار العربي) وجرت محاولات لإنشاء دكاكين وقتية من قبل أنظمة عربية أخرى من خلال محاولات انشقاقية داخل حركة فتح، ولكن سرعان ما اختفت تلك (الدكاكين) وإن ظلّ أصحابها متواجدين، ولكن في العواصم التي احتضنت تلك الدكاكين، فلا يزال أبو الزعيم، فيما كان (أبو نضال)، حتى وفاته يتنقل بين طرابلس وبغداد ودمشق. وفي جنوبلبنان الذي احتلته إسرائيل كوّن شبابه الذين كان أكثرهم منخرطين في المنظمات الفلسطينية، حيث كان شباب الجنوباللبناني مقاتلين داخل حركة فتح على وجه الخصوص، وكانت معسكرات فتح في (فتح لاند) تضم آلاف المقاتلين الفلسطينية الذين استهوتهم وشجعتهم الثورة الإيرانية لإنشاء تنظيمهم الحزبي والعسكري الخاص بهم، وهكذا ظهر حزب الله في جنوبلبنان أولاً ليصبح أحد أهم ركائز العمل السياسي والعسكري والحزبي في لبنان، إلا أن هذا التنظيم العسكري الجيّد والمدعم بحزب سياسي استقطب العديد من الشيعة اللبنانيين لم يخرج عن الاستقطاب والاحتضان للأنظمة الرسمية، ليكون هو الآخر واجهة للنظام الإيراني، بل تجاوز كل ما فعلته الفصائل الفلسطينية المرتبطة بالأنظمة العربية، فقد تحوّل حزب الله اللبناني، إلى واجهة إيرانية لا ينفذ فقط تعليمات طهران، بل أيضاً ربط إستراتيجية ومصالح الشعب اللبناني بالإستراتيجية الإيرانية ومصالحها الإقليمية، بحيث أصبح الحزب مؤسسة إيرانية بأدوات لبنانية، ولأنه ليس بالضرورة تطابق مصالح لبنان مع المصالح الإيرانية ذات الطموحات الإقليمية، فإن الحزب تورط في القيام بأعمال جلبت الكثير من المخاطر والمشاكل للبنان بل والمنطقة العربية. تجربة حزب الله شجعت ودفعت التيار الديني في فلسطين من إنشاء تنظيم سياسي عسكري شبيه بما أقامه الشيعة في جنوبلبنان، خصوصاً أن الظروف متشابهة والإمكانيات متوفرة في ظل سعي إيران إلى مدّ نفوذها ورغبتها في التسلل إلى داخل التنظيمات الفلسطينية، وبما أن جذور التيار الديني في فلسطين متواجدة من خلال متحزبي الإخوان المسلمين وحزب التحرير، وهؤلاء المتحزبون استجابوا لعروض الإغراء القادمة من الخارج، فأنشئت حركة الجهاد الإسلامي ومعظم مؤسسيه من حزب التحرير، وبعدها أنشئت حركة حماس، ومؤسسوها من جماعة الإخوان المسلمين التي لها امتداد قوي في قطاع غزة، ليكون هذان التنظيمان رأس رمح التغلغل الإيراني في جسم الثورة الفلسطينية، ويكملان مع حزب الله جبهة تتعامل وتنسق بل وفي أحيان كثيرة تنفذ توجيهات طهران.. ليحل بذلك (القطار الإيراني) محل القطار القومي الذي حمل كلّ الإحباطات الماضية. وغداً نواصل