كل يوم، ومنذ 268 يوماً، تَظهر المشاهدُ المصورة ذاتُها: سوريون يخرجون من الدكاكين ويملأون الأزقة في أحياء كانت شديدة الهدوء. أصبحوا خبراء في فن التظاهر والاحتجاج، مستخدمين اللافتات والشموع في الدعوة الى نهاية حكم بشار الأسد، فيما تتزايد المطالب بإعدامه. من يمثل هؤلاء المتظاهرون؟ مسألة خلافية. هوية المتظاهرين ليست سراً: إنهم نتاج انفجار سكاني استثنائي في سورية خلَّفَ شرائحَ هائلة من السكان المهمشين والفقراء، والغاضبين. منذ الستينات حتى مطلع التسعينات، كانت سورية بين أكثر البلدان زيادةً في عدد السكان في العالم. وقبل ان تبدأ معدلات التزايد في الانخفاض منتصف الثمانينات، كان اليمن ورواندا وحدهما يحظيان بمستوى أعلى من الخصوبة. في ذروة الانفجار السكاني السوري، كان 44 سورياً يولدون لكل ألف سوري، وهو ما يزيد كثيراً على الزيادة في لبنان المجاور (30 ولادة لكل ألف من السكان)، وفق معلومات البنك الدولي. وتركزت الزيادة ايضاً تركُّزاً غيرَ متناسق في الريف، منشئة طبقة متنامية من المحرومين في سورية الجديدة. في الأعوام القليلة الماضية، انخفض معدل الولادات في سورية، لكنه بقي معادلاً لغيره من الدول التي تشهد ثورات في العالم العربي، حيث ولد 28 سورياً لكل ألف شخص في 2008، وهو ما يعادل مستوى مصر ويزيد على المستوى التونسي الذي يقف عند 18 ولادة لكل ألف شخص. وإذا وُضعت المناطق التي تشهد أقوى هذه الظواهر على خريطة، ستشكل خطّاً مع المناطق التي تشهد أكبر الاضطرابات في سورية. من جنوب درعا، حيث اكتسبت الاحتجاجات زخمها الاول، الى الشرق صوب دير الزور، تبدو هذه كانتفاضة الريف المحروم، وهي أيضاً انتفاضة المدن التي عانت طويلاً من الاضطهاد، كحماة والضواحي المهملة في دمشق وحمص، وهي الضواحي التي يقطنها كثر من النازحين من الأرياف. ويقع اللوم بسبب معدل الولادات الذي لم يخضع للسيطرة، جزئياً على الأقل، على الحكومة السورية. الرئيس حافظ الاسد الذي حكم البلاد اثناء ذروة الزيادة السكانية في الثمانينات، اتبع سياسة أسلافه ذاتها، وأبقى وسائل تنظيم الحمل شحيحة، وجادل في أن المعدلات المرتفعة لزيادة السكان «حفّزت التحسن المطلوب في المجال الاقتصادي-الاجتماعي». وكانت النتيجة ان سورية في فترة انتفاضة الشباب هذه، احتضنت السكان الأكثر شباباً في العالم العربي. ومنذ اواسط الستينات حتى التسعينات، ظلت نسبةُ السكان الذين تقل اعمارهم عن 15 سنة، النصفَ تقريباً، فيما انخفضت نسبةُ مَن تزيد أعمارهم على 70 الى 3 في المئة. اليوم، وبعد انخفاض معدل الخصوبة، يُعتقد بأن 60 في المئة من السوريين تقل أعمارهم عن 20 سنة. إن الانفجار السكاني الذي دام طويلاً، غيَّر جذرياً البلاد التي حكمتها عائلة الاسد لأكثر من 40 سنة. في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما كان حافظ الاسد تلميذَ مدرسة، كانت دمشق مدينة هادئة يقطنها 300 ألف شخص، وعندما بات في السلطة كان العدد قد تجاوز 800 ألف، وفي أواخر الثمانينات ارتفع الى اكثر من 3 ملايين نسمة. ترافَقَ التحول الديموغرافي هذا مع ما يسميه المثقف السوري صادق العظم، صعودَ «المجمع التجاري العسكري»، وكتب باتريك سيل أنه عندما استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب عام 1963، كان في سورية 55 مليونيراً فقط، وارتفع هذا العدد الى الف مليونير عام 1973، والى 3500 في 1976، يملك عشرة في المئة منهم ما يزيد على مئة بليون ليرة سورية (تقريباً 25 مليون دولار). كان طريق الثراء في عهد الاقتصاد الموجه مركزياً، يمر عبر حافظ الاسد وحزب البعث. وتسارع هذا المنحى في عهد بشار الذي تشير تقديرات إلى أن ابن خالته المليونير رامي مخلوف يسيطر على 60 في المئة من الاقتصاد السوري. * صحافي، عن «فورين بوليسي» الاميركية، 8/12/2011، إعداد حسام عيتاني