أحمد طفل يبلغ من العمر 6 أعوام، فجأة وأمام أنظار أهله، تدفق الدم من أنفه فأثار المشهد هلعهم، ولكنهم لم يفقدوا اعصابهم، فحملوه فوراً الى الطبيب الذي فحصه بدقة وقال للأهل: "لا لزوم للقلق والخوف، يجب اجراء هذه التحاليل وبعدها نقرر ماذا نفعل". وبالفعل سارع الأهل الى تنفيذ ما طلبه الدكتور، وما ان حصلوا على النتائج حتى حملوها الى الطبيب فألقى نظرة ملية عليها ثم علق قائلاً: الحمد لله، ان طفلكم لا يشكو من أي مرض، كل ما هنالك انه يعاني من ما يعرف طبياً ب"الرعاف الفيزيولوجي"، الذي يحصل لمن هم في عمره. الرعاف النزف من الأنف قد يكون فيزيولوجياً، وهذا النوع نراه كثيراً لدى الأطفال في مراحل النمو 3 الى 6 سنوات وأحياناً قد يحدث في فترة البلوغ ما بين 8 و12 عاماً لدى الفتيات، وما بين 15 و18 سنة لدى الفتيان. ان سبب النزف هنا يرجع الى هشاشة الأوعية الدموية المعروفة باسم "كيسيلباخ" والمتواجدة في القسم الأمامي من الحجاب الأنفي. طبعاً هناك عوامل مؤهبة تشجع على سيلان الدم من الأنف ومنها: رضوض الأنف. نكش الأنف أو حكه بقوة. ادخال الأجسام الاجنبية في الأنف. الرشح والتهابات الأنف. جفاف الغشاء المخاطي للأنف. انحراف حجاب الأنف. ضربة الشمس. غير ان الرعاف قد يحصل عقب اصابة الجسم بمرض ما، مثل الحصبة والحمى القرمزية والتيفوئيد والالتهابات الأنفية الميكروبية والتحسسية. كذلك فإن جميع الأمراض التي تسبب اضطراباً في آلية تخثر الدم يمكن ان تقف وراء الرعاف الغزير والمتكرر. وقد يكون نزف الأنف العلامة الأولى للإصابة بانحلال كريات الدم، أو الإصابة بمرض تشمع الكبد، أو مرض ارتفاع الضغط الشرياني. والرعاف قد يحدث لدى المرضى الذين يتناولون الأدوية المميعة للدم، اذ ان سيلان الدم من الأنف يمثل الخط الأحمر الذي يدل على ان المريض تجاوز الجرعة المسموح بها. ويمكن للرعاف ان يحصل عقب تناول بعض الأدوية كالأسبرين مثلاً. ويمكن للصدمات والرضوض البعيدة عن الأنف ان تقود الى الرعاف، فتعرض الطفل لضربة رأس قوية يمكن ان تؤدي الى حدوث نزف دموي يتسلل من منطقة الضربة ليصل الى دهاليز الأنف ومنها الى الخارج. كيف التصرف أمام الرعاف؟ يجب التصرف أمام الرعاف بسرعة وبروية وبأعصاب قوية، لأن له أثراً سيئاً على نفسية المريض والمحيطين به. ولحسن الحظ، فإن اغلب حالات الرعاف سليمة ويمكن علاجها بنجاح بالضغط على فتحتي الأنف، ويجب ان يستمر الضغط لمدة عشر دقائق. هناك نقطة مهمة يجب التنبه لها بقوة وهي ضرورة حني رأس المصاب الى الأمام وليس الى الخلف، لأن حني الرأس الى الخلف تصرف سيئ جداً وخطير جداً، اذ ان الدم في هذه الحالة يسيل نحو الحلق، ومنه الى المعدة من دون أي عقبات، فيظن المريض ومن حوله ان النزف توقف، والواقع قد يكون غير ذلك فيتواصل النزف، الأمر الذي يعرض المصاب الى ضياع نسبة كبيرة من الدم، يمكن ان تجعل حياة المصاب في خطر قد يقود الى الموت. إذا لم يتوقف النزف من الأنف بعملية الضغط، فعندها لا مفر من دك الأنف بشاشة مبللة بماء الأوكسيجين أو بمحلول "ألجينات الكلس". يجب الحذر من استعمال القطن، فهو يمتص الدم بكثرة ويلتصق بقوة بخثرة الدم، اذ عند إزالته أي القطن يجر معه الخثرة، الأمر الذي يؤدي الى حدوث النزف من جديد. بعد السيطرة على الرعاف ينصح المصاب بالبقاء ساكناً لبعض الوقت، وتجنب التمارين المجهدة بضعة ايام، كذلك يجب تنبيه الطفل بعدم "نكش" أنفه واللجوء الى قص أظافره اذا كانت طويلة. في حال فشل عملية الضغط على الأنف أو دكه بالشاش، في وضع حد للرعاف، فعندها لا مفر من نقل الطفل الى أقرب طبيب أو مركز اسعافي. لكن عندما يتوقف النزف من الأنف تبقى ناحية مهمة وهي اجراء تحريات مخبرية وسريرية قد تسمح بإلقاء الضوء على السبب أو الأسباب المستبطنة التي تقف وراء الرعاف وبالتالي محاولة علاجها إن أمكن