تسعى جميع دول العالم النامية والمتقدمة الى جذب الاستثمارات الأجنبية لانجاز المشاريع التي تساعدها على زيادة الانتاج، وزيادة الدخل الوطني، وتحسين ميزان مدفوعاتها، وجلب التقنية الحديثة، ودعم السياسات المالية والتجارية، وايجاد فرص للعمل، وفتح منافذ وأسواق خارجية لتسويق منتجاتها. وتعمل الدول على تقديم كل التسهيلات والامتيازات التي تساعد على جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية في ظل التحولات الاقتصادية غير المسبوقة التي تؤثر في الاستثمار والانتاج والتجارة وتتميز بتحرير وتكامل أسواق السلع والخدمات ورأس المال. ونتج عن ذلك تعاظم حجم الاستثمار الأجنبي على المستوى العالمي حتى بلغ حجمه التراكمي 2.7 تريليون دولار العام 1995 تركز معظمها في الدول المتقدمة اذ كان نصيبها قرابة 85 في المئة من حجم هذه التدفقات للعام نفسه. كما نتجت عن ذلك زيادة نسبة الاستثمارات الأجنبية في الدول النامية حتى بلغت 231.5 مليار دولار العام 1996 بنسبة 40 في المئة من حجم الاستثمارات الأجنبية في العالم، كان نصيب آسيا ودول الباسيفيك 56 في المئة منها. نظام 1955 وعملت السعودية، مثل غيرها من الدول، على جذب رؤوس الأموال الأجنبية فأصدرت أول نظام للاستثمار الأجنبي العام 1955 نص على ألا تقل نسبة رأس المال الوطني عن 51 في المئة من اجمالي التمويل ثم تلاه نظام آخر العام 1962 أعطى عدداً من الحوافز التشجيعية لرؤوس الأموال الأجنبية ثم صدر نظام استثمار رأس المال الأجنبي العام 1978. ومن خلال هذه القوانين قدمت السعودية العديد من المزايا والتسهيلات للمستثمرين الأجانب لتشجيع الاستثمار الصناعي والزراعي، منها اعفاء الآلات والمعدات والمواد الخام الأولية اللازمة للمشاريع من الرسوم الجمركية، وتمتع انتاج المشروع الأجنبي بميزات الحماية الجمركية وأولويته في تأمين مشتريات الحكومة، وسهولة الحصول على الأرض وتملك العقار، وامكانية الاقتراض من صناديق التنمية الحكومية من دون فوائد إذا كان استثماراً مشتركاً، والاعفاء من الضرائب على الدخل وضرائب الشركات لمدة عشر سنوات للمشاريع الصناعية اذا كان بمشاركة سعودية لا تقل عن 25 في المئة من رأس المال. استثمارات أقل من المميزات وعلى رغم هذه التسهيلات الى جانب الكثير من الميزات النسبية التي تتمتع بها السعودية مثل توافر البترول وقربها من دول الخليج وتوافر العمالة الرخيصة المدربة ووجود بنية أساسية متقدمة وسعر صرف ثابت وموقع جغرافي متميز ومعدل تضخم منخفض واتباع الحكومة سياسة الاقتصاد الحر وتحفيز الاستثمار الخاص، فضلاً عن اعتراف مؤسسات التقييم الدولية بالمناخ الاستثماري الجيد بالسعودية ومنها لجنة بازل والمجموعة اليابانية التي وضعت السعودية في مرتبة متقدمة بين الدول النامية المشجعة للاستثمار. على رغم كل ذلك فإن حجم الاستثمارات الأجنبية في السعودية أقل كثيراً من حجمها في الدول الآسيوية الأخرى الحديثة التصنيع. اذ استقبلت السعودية العام 1995 حوالي 890 مليون دولار في مقابل 5800 مليون دولار لماليزيا و4500 مليون دولار لاندونيسيا و530 مليون دولار لسنغافورة. وتشير التقارير الى أن اجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية في السعودية بلغ 49658 مليون ريال 13242 مليون دولار حتى نهاية العام 1996 ولا يتناسب هذا الرقم مع امكانات السعودية وقدراتها الاقتصادية وما يتوافر لديها من مقومات لجذب المستثمر الأجنبي. وتظهر التقارير ان نحو 6504 مليون دولار من هذه الاستثمارات تحققت خلال الفترة من 1984 إلى 1989 بمتوسط سنوي قدره 1084 مليون دولار ثم انخفض هذا المعدل حتى وصل الى 962 مليون دولار سنوياً في الفترة من 1990 إلى 1995 وهو ما يعطي مؤشراً على عدم تحقيق تقدم ملموس في معدلات استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية على رغم التحسن الكبير في بيئة الاستثمار داخل السعودية. وتفيد الدراسات ان عدد المشاريع الصناعية المشتركة في السعودية نحو 345 حتى العام 1997 أي ما يمثل 15 في المئة فقط من اجمالي عدد المصانع في السعودية البالغ عددها 2250 مصنعاً. وكان للطفرة النفطية التي شهدتها السعودية اثر في جلب الاستثمار الأجنبي في الفترة من 1980 إلى 1985 إذ جذبت السعودية خلالها 76 في المئة من حجم الاستثمار الأجنبي الكلي بها بسبب رغبة المستثمرين الأجانب الاستفادة من رأس المال الوطني السعودي ومشاركته في تنفيذ عقود تنموية حكومية. صاحب ذلك استثمارات ضخمة في قطاع الصناعات الأساسية، اذ تستحوذ المشاريع الصناعية الحكومية الضخمة مثل سابك وارامكو على 80 في المئة من مجموع رؤوس الأموال الأجنبية في السعودية في مقابل 20 في المئة للمشاريع المشتركة مع القطاع الخاص. صعوبات الجذب وجنت السعودية فوائد كثيرة من الاستثمار الأجنبي فيها، منها الكشف عن مصادر الزيت ومنابعه، وانشاء واحدة من أضخم المؤسسات البترولية في العالم، وانجاز مشاريع البنية الأساسية، وإرساء قاعدة التصنيع بالأسلوب العلمي الحديث والوسائل التكنولوجية المتقدمة، وتنشيط القطاع التجاري، وتدريب الشباب السعودي. لكن السؤال المطروح يتعلق بالأسباب التي تحد من قدرة السعودية على جذب رؤوس الأموال الأجنبية؟ تؤكد دراسات أجريت حول هذا الموضوع ان هناك أسباباً عدة وراء تدني نسبة الاستثمار الأجنبي في السعودية، أهمها قصور نظام رأس المال الأجنبي والحوافز التي يمنحها، الضرائب المرتفعة على المستثمر الأجنبي قياساً الى الدول الأخرى، وصعوبة الحصول على تأشيرات دخول الى البلاد ومحدودية مجالات الاستثمار، وقصور الأنظمة الخاصة بحل المنازعات المالية والتجارية، وعدم وجود سوق مالية منظمة، وعدم وجود هيئة واحدة لتنظيم وتسهيل اجراءات الاستثمار، وصغر حجم السوق السعودية نسبياً وقصور أنظمة الكفالة والاقامة والتنقل وتملك الأجانب للعقارات. وللتغلب على هذه المشاكل بدأت السعودية أخيراً في إعادة النظر في الكثير من أنظمتها الخاصة بالاستثمار الأجنبي. وتعكف الوزارات المعنية حالياً على تعديل القوانين واللوائح حتى تتماشى مع التطورات العالمية. ان جذب رؤوس الأموال الأجنبية يمثل أحد التحديات أمام السعودية اذ أنها تحتاج الى حوالي 137 بليون دولار لمشاريع الطاقة والبتروكيماويات ومحطات معالجة الغاز فقط.