تطالب المجتمعات الغربية، والفرنسية على وجه التحديد، المدرسةَ بتذليل مشكلات حضارية من طريق وسائل تعليمية. والمشكلات هذه وثيقة الصلة بتغيرات المجتمع، وهي تفرض تحديات جديدة على التعليم، فالتغيرات الجماعية تطاول أوجهاً مجتمعية مختلفة، منها العلاقات بين المدرسة والعائلة، ومعنى المعارف أو مقاصدها، ومكانة السلطة، ومكانة المدرسة في المجتمع. ويفترض أن تسعى العائلة والمدرسة معاً إلى هدف واحد: تنشئة الاطفال، لكن الأمور تعقدت، ولم تعد إلى سابق عهدها. فاليوم تميل الأسرة إلى التنصل من المدرسة المفترض بها تعليم الاولاد وإعدادهم، وإلى وقت قريب، كانت العائلة ركن الجماعة، لكن الأسرة انفكت من الجماعة، وصارت تولي الصلة الشخصية والعاطفية بين الأفراد ومصالحهم الحميمة الأولوية. والتعليم في مثل هذا الاطار، الهادف إلى التفتح العاطفي للاشخاص، عسير. في الماضي، أنزلت المجتمعات الغربية المعرفةَ والثقافةَ منزلةَ أدوات بلوغ الكمال الإنساني، بدءاً من أبسط أفعال الكياسة وصولاً إلى فهم العالم الذي نعيش فيه، ووُلد من رحم المجتمعات هذه مثال المواطن الديموقراطي. أما اليوم، فقد خسرت الثقافة والمعرفة المكانة هذه، واقتصرتا على دور وظيفي"منفعي"، وانفكت فكرة الإنسانية من فكرة الثقافة. وتجتاح المجتمعات الغربية موجةَ خصخصة تحمل الأفراد على العيش لأنفسهم وعدم تبديد الوقت في محاولة فهم العالم المحيط بهم. ووراء شعار"افعلوا ما شئتم!"مسَلّمة عدمية: لا فائدة ترتجى من المعرفة، فضبط حركة العالم مستحيل. اطّلع على ما هو ضروري لإدارة متجرك، واهتم بشؤونك فحسب! وحركة نزع الثقافة عن المجتمع هذه تُعَسِّر المهمة التعليمية. ولا ينفك التلامذة يسألون: ما الفائدة من التعليم؟ وأبرز تناقضٍ في المجتمعات التي تصبو إلى الارتقاء"مجتمعات معرفة"هو افتقارها إلى حس الفائدة المرتجاة من المعرفة. لذا، يسود انطباع بأن المجتمع من غير قبطان، ولا وجهة له، وليست هناك"عقول"تحاول فهم ما يجري: ينصرف الناس إلى التفاعل مع وقائع الامور وإدارتها والتكيف معها، وتمس الحاجة إلى صوغ معنى المعرفة والثقافة، والفائدة المرتجاة منهما. وعهد الاستبداد أفل، وبرزت مشكلة السلطة العامودية، وطوال وقت طويل، حاكى نموذجُ السلطة النموذجَ الديني، فإذا فات المرء غموض العقيدة، لجأ الى رجال الدين. وفي الجيش محاولة الفهم هي عِصْيان، ونماذج السلطة المفروضة من علٍ ومن غير نقاش انهارت، وهذا أمر جيد، لكن ثمة ثمناً يترتب على إطاحة النماذج هذه، ومسألة السلطة ونماذجها وثيقة الصلة بمشكلات المدرسة. فالمدرسة وهي لا تملك وسيلة لنقل المعرفة غير السلطة، خسرت أدوات السلطة: اللجوء الى القوة. والضوابط المؤسساتية لا تفلح في إلزام أحد بالتعليم والتحصيل العلمي، وخسر المعلم الثقة التي يوحي بها تفويض المجتمع له إعدادَ الطلاب. واليوم، تُرك المعلم لقدراته الشخصية على جذب انتباه الطلاب، فالمجتمع لم يعد سنده في مهمته، ولم يعد يقرّ بدوره. * باحث وفيلسوف، عن"لوموند"الفرنسية، 3/9/2011، إعداد م. ن.